تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
الله : لو كانت الدنيا دما غبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا ، فهذا على معنيين ، أحدهما أنّ المؤمن موفق معصوم قد عمل لله عزّ وجلّ بما علم ، والله قد حفظه من حيث لا يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام باختياره من عمله ، كما يستخرج له العلم من الجهل ، والتوحيد من الشرك بلطف قدرته ، فمن تذكر به وتبصر به أقامه مقام التوحيد من الحكمة ، والمعنى الثاني المؤمن عنده ، لا يتناول شيئا إلا فاقة أو ضرورة ، فقد حلَّت له وإن حرمت على غيره . وهذا هو المؤمن الصديق وقد قيل لابن المبارك يظهر بعد المائتين عدل فقال : تذاكرنا ذلك عن حماد بن سلمة ، فغضب وقال : إن استطعت أن تموت بعد المائتين فمت . فإنه يحدث في ذلك الزمان أمراء فجرة ووزراء ظلمة وأمناء خونة ، وقراء فسقة حديثهم فيما بينهم ، التلاوم يسمون عند الله الأنتان ، وقال بعض السلف الصالح : إني لأستحي من الله عزّ وجلّ أن أسأله بعد المائتين أن يرزقني حلالا . ولكني أسأله رزقا لا يعذبني عليه ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : ما ترك لنا بنو فلان من الحلال شيئا ، يعني الملوك والأمراء . ويقال إن عليّا رضي الله عنه ، لم يأكل بعد قتل عثمان . ونهب الدار إلَّا طعاما مختوما عليه ، وروي في الخبر العامل الذي أراد عليّ رضي الله عنه ، أن يستعمله على صدقات قال : فدعا بطينة مختومة ظننت أنّ فيها جوهرا أو تبرا ففض ختامها ، فإذا فيها سويق شعير فنثره بين يدي وقال : كل من طعامنا ، فقلت : أتختم عليه يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم هذا شيء اصطفيته لنفسي ، وأخاف أن يختلط فيه ما ليس منه . والحديث فيه طول فاختصرت هذا منه . وروي أنّ جماعة من الصحابة ما شبعوا من الطعام منذ قتل عثمان رضي الله عنه لاختلاط أموال أهل المدينة بنهب الدار ، منهم ابن عمر وسعد وأسامة بن زيد رضي الله عنهم . وكان يوسف ووكيع بن الجراح يقولان : الدنيا عندنا على ثلاث منازل ، حلال وحرام وشبهات ، فحلالها حساب ، وحرامها عقاب ، وشبهاتها عتاب ، فخذ من الدنيا ما لا بدّ لك منه فإن كان ذلك حلالا كنت زاهدا ، وإن كان شبهة كنت ورعا وكان في عتاب يسير ، وقد روينا عنهما أنهما قالا : لو زهد أحد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء في الزهد ما سميناه زاهدا قيل : ولم ؟ قال : لأن الزهد عندنا إنما يكون في الحلال المحض . والحلال المحض لا يعرف اليوم . ومات يوسف ووكيع قبل المائتين ، وقد كان وكيع بن الجراح أشبه العلماء بالسلف . وكان يشبه بعبد الله بن مسعود وقد كان يشدد في الطعمة فسئل عن الحلال ، فجعل يعزره ويقول : أين الحلال ؟ وكيف لي بالحلال ؟ ثم قال : لو سألنا مسترشد عن علمنا في الحلال فقلنا له : كل أصول البردي وألقي ثوبك وادخل في