تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
وفي الخبر : لا تأكل إلَّا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلَّا تقي ، لأن التقي قد استبرأ لدينه واجتهد بعلمه واحتاط لنفسه ، فقد سقط عنك البحث والاجتهاد لأنه قد ناب عنك فيه وقام لك به ، فكفاك كلفته فغنيت عن تكلفه . فلذلك جاءت الأحاديث على هذا المعنى : إذا دخل أحدكم إلى منزل أخيه فقدم إليه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأل ويشرب من شرابه ولا يسأل ، لأنه قد كفى والسؤال عمّا قد كفى تكلف ، والتكلف ليس مما يعني المسلم . وفي الخبر الآخر : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، فلهذا سقط عنا السؤال من البحث ولذلك كان المتقدمون يستحبون أكل طعام العلماء والصالحين . وأما من لا يحتاط لنفسه ولا يستبرئ لدينه ولا يتقي في مكسبه حتى لا يبالي من أين أكل ولا من أين اكتسب ولا من أين جاءه الدرهم أبدا ، فهذا غير تقي فحينئذ يلزمك أنت البحث لنفسك والاجتهاد والاحتياط لدينك إذا لم يقم به غيرك ولم يكلفه أخوك . ففي مثل هذا جاء الخبر : لا يأكل طعامك إلَّا تقي ولا تأكل إلَّا طعام تقي ، والتقي هو الورع الدين المتّقي للحرام المجتنب للآثام . ففي دليل خطابه : لا تأكل طعام غير تقي فلا يصح التقوى من عبد يتصرف حتى يكون مستعملا في تجارته وصناعته حكم الكتاب والسنّة ، ويشهد له العلم بسلامته وبراءة دينه من الخيانة والمكر في المعاملة ، من الكذب والغبن في التجارة والصنعة ، بالصدق والنصح في جميع ذلك وحتى يحل السبب المعتاض منهما . وكل تجارة وصناعة يخالف العبد فيها حكم الكتاب والسنّة فليست بتجارة ولا صناعة حلال ، وإن كان الاسم موجودا لعدم المعنى الذي تصح به الأسماء في الحكم ، لأن وجود الأسماء فارغة لا يغني مع عدم صحة المعاني لموافقته شيئا . فإذا كان ما يسميه الجاهلون تجارة وصناعة وما يسمّيه المستحلون بيعا وشراء ومعاملة ، وهو غير موافق للعلم ، فليس ذلك بتجارة ولا صناعة ولا معاملة ، ولا يستحل به أكل الحلال لأنه باطل واسمه عند العلماء خيانة وخلابة ، أو غيلة أو حيلة أو مخاتلة . وهذه أسماء محرمة للمكاسب لفساد معانيها وعدم حقائقها يتعلق عليها أحكام مذمومة ، . لا يحل بهذا أخذ لأن التسمية إلى العلماء من قبل . أن إيجاب الأحكام منهم يسمون على صحة المعاني بوقوع الأحكام إذا كانوا هم الحكام . فقد اعتزل هذا التصرف . وإن وجد فيه الاسم المبيح لفقد المعنى الصحيح ، وهو حكم الكتاب والسنّة . فإن وجد الاسم بحقيقة المعنى حتى تسميه العلماء تجارة وصناعة ، إلَّا أنهما لم يصادفا حكم الله تعالى فيه بالسلامة من الربا واجتناب البيوع الفاسدة ، فهذا حرام أيضا لعدم حكم الله عزّ وجلّ فيه بالإطلاق . وإن كان الشراء مباحا وصودف الأحكام فيه إلَّا أنّ عين المأخوذ المعتاض حرام رأي عين أو خبر من