تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
من شيء ومثل شبهة الحلال كمثل الصفرة لأنه لون متولد من البياض . ومثل شبهة الحرام كالخضرة لون متولد من السواد . فإن رأيت الصفرة فهي علامة شبهة الحلال رددتها إليه وحكمت عليها به ، كما أنّ الخضرة أقرب إلى السواد ، فإن اجتمع في لون صفرة وخضرة فهي الشبهات المخلطة في الشيء ، فانظر إلى الأغلب منها الأكثر ، فاحكم عليه ، فإن كانت الصفرة هي الأكثر والأغلب ، فهذا شبهة الحلال ، تناول منه غير متسع فيه إذ ليس حلالا صافيا وهذا مثل أموال التجار والصناع المختلطة بأرزاق الجند والمعاملات ، وإن رأيت الخضرة أكثر وأغلب فهذا شبهة الحرام ، خذ منه ضرورتك إذ ليس بشبهة صافية ، وهذا مثلا أملاك أولياء السلطان ، لالتباس ملك أيديهم في خدمتهم لأمرائهم حتى تري البياض المحض الذي هو علامة الحلال فخذ كيف شئت واتسع ، لا جناح عليك على أنك لا تكون زاهدا بذلك ، وهذا مثل لفيء المشركين والغنائم في سبيل الله ، ومثل المواريث الطيبة وما أنبتت الأرض التي هي غير مغصوبة ، ومثل ماء السماء والسيح في الأنهار وصيد البر والبحر . وإن رأيت السواد الغريب فهو علامة الحرام . فاجتنبه ولا تأخذ منه شيئا ، فإن فعلت كنت بذلك فاسقا وأكل الحرام من الكبائر . وهذا مثل المغصوب والجنايات ، وما أكل بأسباب المعاصي وما تملك من غير طيب نفس من الواهب ، واعلم أنّ الحلال والحرام فرعان للتقوى والفجور والعلم والجهل ، والعلم والتقوي هما حلالان للمتقين العلماء . فإذا كثر المتّقون ووجد المؤمنون كان الحلال أظهر وأكثر . ووجود الحرام بظهوره وكثرته . بكثرته وجود الجهل والفجور وهما حالا الجاهلين الفجار ، فإذا كثر الجاهلون وظهر الفاسقون كان الحرام أغلب وأكثر . وأصل وجود الحلال في الكافة عدل الأئمة واستقامة الولاة ، وطاعة أوليائهم فيما لهم معهم في سبيل الله عزّ وجلّ لصلاح الدين وحيطة المسلمين ، كما إنّ أصل ظهور الحلال وانتشاره هو الرعية ، فإذا قل ذلك وكان الأمر على ضده غمض الحلال واختفى . فظهر الحرام وفشا . فكان الحلال قليلا عزيزا ، وكان في خصوص من المسلمين يخص الله به من يشاء ويصرفه إلى من أحب . كيف أحب من طريق التوفيق والهداية وبمعنى العصمة والوقاية ؟ وقد جاء في الخبر إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم . وقال بعض أهل التفسير في قوله عزّ وجلّ : * ( وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * [ الأنعام : 129 ] . قال : إذا فسدت أعمال الناس ، جعل عليهم أئمة يشبهون أعمالهم . وقد روينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : رزق المؤمن ، مثل قطر الحب . فهذا يحتمله معنيان ، أحدهما الضيق والقلة والثاني في الصفاء . وهذا على معنى ما قال سهل رحمه