الفرات قيل : وأنت يا أبا سفيان من أين تأكل ؟ قال : آكل من رزق الله وأرجو عفو الله ، وقد كان بشر بن الحارث من المتقدمين ، سئل عن الحلال قيل له : من أين تأكل يا أبا نصر ؟
فقال : من حيث تأكلون ، وليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك . وقال مرة أخرى في رواية عنه : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة . وسأله رجل عمّا لا يسكر من النبيذ فقال : انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو ؟ فإن كان حلالا وإلَّا هلكت دع عنك ما لا يسكر . وقد كان سري السقطي يتحرى في أكل الحلال ولم يكن يأكل إلَّا من حيث يعرف ، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه وقال : تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء ، وكان يقول : لا يقوى على ترك الشبهات إلَّا من ترك الشهوات ، ويقال إنّ بشر بن الحارث كان يأكل من قبله ، وذكر لنا أنّ سريا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال : يا بشر ، لعل بدانقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم : يعني قولهم بشر الحافي . فسكت بشر ، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا : يا أبا نصر ، إنه لم يرد إلَّا خيرا فقال :
سبحان الله ، هو سري كما سري ، وكان سري رحمه الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده ، فجاء سري فكلمه بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك يرد عليه شيئا .
وحدثونا عنه أنه قال : انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من الأرض وعند غدير ماء . قال : وكنت جائعا فأكلت من الحشيش ، وشربت من ذلك الماء بكفي ، ثم استندت على ظهري ، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا فاليوم ، فهتف بي هاتف يقول : يا سري زعمت أنك أكلت حلالا ، فالقوّة التي بلغتك إلى هاهنا من أين هي ؟ قال : فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي ، وكان شقيق البلخي رحمه الله يقول : إنّ المكاسب اليوم قد فسدت ، وإنّ التجارات والصناعات شبهات كلها ، لا يحل الاستكثار والادخار منهما لوجود الغش وعدم النصح ، قال : وإنما ينبغي للمسلمين أن يدخلوا فيها ضرورة ، وقال :
الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنهم أعانوا على إماتة السنن ، ودرس طرق الأنبياء ، ومن أبطل سنن نبي فكأنما قتله هذا بقوله في سنة سبعين ومائة ، فإذا كان الأمر أيها المسلم الموقن بتوحيد الله ووعيده ، على هذا عند العلماء من السلف والأخيار من الخلف ، في ذلك الوقت ، فكيف بوقتك هذا ؟ وقد افترض عليك الزهد في الدنيا ، وقد وجب عليك الأخذ بالبلغة . مما لا بد منه من كل شيء . فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية . وكل ما يظهره الله عزّ وجلّ لك من غير الأمور وبديهات
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 490
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٩٠