بات في قرية جائعا قام إلى الغداة لم يقدر أن يصلَّي من الجوع . أعطاه الله في منزله جميع صلاة المصلَّين القائمين في قريته ، قيل : وكيف ذلك ، قال : طلب الحلال . فلم يجده فكره أن يدخل جوفه حراما فبات طاويا فله أجر المصلين القائمين في تلك الليلة وهو سليمان التيمي رحمه الله ترك أكل الحنطة ، فقيل له في ذلك . فقال : إنها تطحن في هذا الأرحى .
فقال : المسلمون شركاء في الماء وهؤلاء يأخذون خراجها دون سائر الناس .
وحدثت أنّ امرأة أهدت إلى بشر بن الحارث سلة عنب . فقالت : هذه من صنيعة أبي فردها بشر عليها . فقالت : سبحان الله تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه وشهادتك مكتوبة في كتاب الشراء . فقال : صدقت ملك أبيك ولكنك أفسدت الكرم .
قالت : بما ذا ؟ قال : سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله بن طاهر صاحب المأمون ، وهذا النهر هو الخندق المعترض في الجانب الغربي ، لم يكن يشرب من الخندق ولا يمشي على الجسر وقد كان بشر يقول : منذ ثلاثين سنة أشتهي شواء وما أتركه زهدا فيه ولو صحّ لي درهمه لأكلته ، فهذه سيرة المتقدمين وطريق السالفين ، من سلكها لحق بهم وكان كأحدهم ، ومن خالفها فليس على سنّة السلف ، ولا من صالحيّ الخلف وسعة رحمة الله الواسعة بمشيئته السابقة ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وقد كان من سيرة القدماء من أهل الورع أن لا يستوعب أحدهم كليّة حقّه بل يترك شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله ، فيقع في الشبهة . فإنه يقال : من استوعب الحلال حام حول الحرام .
فكانوا يستحبون أن يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزا من الحلال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه . ومنهم من كان يترك من حقه شيئا لغير هذه النية ، ولكن لقول الله عزّ وجلّ : * ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ ) * [ النحل : 90 ] قالوا :
فالعدل أن تأخذ حقك كله وتعطي الحق . والإحسان أن تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنا ، ولأن الله تعالى كما أمر بالعدل قد أمر بالإحسان لقوله :
* ( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) * * ( حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) * [ البقرة : 180 - 236 ] ، وهذه الطريقة قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها . حدثونا عن بعضهم قال : أتيت بعض الورعين بدين له عليّ وكان خمسين درهما . قال : ففتح يده فعددت فيها إلى تسع وأربعين درهما فقبض يده . فقلت : هذا درهم قد بقي لك من حقك . قال : قد تركته لك إني أكره أن أستوعب مالي كله ، فأقع بما ليس لي . قد كان عبد الله بن المبارك وغيره يقول : من اتّقى من تسعة وتسعين شيئا ولم يتّق من شيء واحد لم يكن من المتّقين ، ومن تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوّابين ، ومن زهد في تسعة وتسعين شيئا ولم
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 492
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٩٢