تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
يدعه ، فتناول شيئا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء نيته وقلة ورعه ، وإن كان أصاب الحقيقة عند الله فهو أفضل وله أجران : أجر العلم ومقام التوفيق . ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند الله عزّ وجلّ فعليه وزران : وزر الجهل ونقص العصمة . ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر واحد . ومن عمل بجهل فأصاب الحقيقة فعليه إثم الجهل وهو معصوم في الفعل . وحكى وهب اليماني مما نقل من الزبور أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى داود عليه السلام : قل لبني إسرائيل : إني لا أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي ، ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي . وقد كان بعض العلماء يقول لأهله : أرفقوا بدهن المصباح فإنما توقدون بلحمي ودمي . قيل : وكيف ؟ قال لأنكم توقدون من كسبي ، وكسبي من ديني وديني من لحمي ودمي . وقد كان يقال : من تفقد من أين يكسب الدرهم تبصر أين يضعه ، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه . وقد قال بعض العلماء لرجل رآه بطالا وكان ذا عيال قال له : احترف فإنه إذا كان لك كسب أكل عيالك دنياك ، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك . وروي أنّ بعض الزهاد وقعت منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له : أنت قد زهدت في الدنيا كلها وأنت تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال : إنّ طلبي هذه القطعة من زهدي في الدنيا لأني لا أعتاض منها غيرها ، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل إلَّا من حيث أعلم . وقد كان بشر يقول : المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق إلَّا في الشهوات . وقال سري السقطي : لا يصبر على ترك الشبهات إلَّا من ترك الشهوات . وفي الخبر أنّ رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : عن كسب الحجام فنهاه عنه فأعاد مسألته عنه فقال : إنّ لي غلاما حجاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن كان لا بدّ فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك . وفي الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال : لا تأكلوه . وفي خبر آخر : إن كان جامدا فألقوها ، وإن كان ذائبا فاستصحبوا به . وعن جماعة من علماء الكوفة : لا بأس بشحوم الميتة تطلي بها السفن ويدبغ بها الجلود . وقد روينا فيه حديثا مسندا ، فهذا حجة فيما ذكرناه من أنّ حكم الشبهات أن ينفق منها فيما لا يطعم ولا يلبس إلَّا إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار الحاجة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر به ، فسأل عن أصل أصله فأخبر به ، فلما رضيه شرب منه . فهذا حكم الحلال أن تعرف عين الشيء ثم تعرف أصله ، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ذلك ، فإن لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك .