تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
وروي عنه في فضل الاحتكار : من جلب طعاما ما فباعه بسعر يومه فكأنما تصدق به . وفي لفظ ، آخر : فكأنما أعتق رقبة . ومن العلماء من كان يجعل الاحتكار في كل مأكول من الحبوب والأدام مثل العدس والباقلاء والسمن والعسل والشيرج والجبن والتمر والزيت . ويكره احتكار جميع ذلك . وروي نحو هذا عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ : * ( ومن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ من عَذابٍ أَلِيمٍ ) * [ الحج : 25 ] . قيل : الاحتكار من الظلم . وحدثونا عن بعض السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله : مع هذا الطعام في يوم تدخل البصرة فلا تؤخره إلى غد . قال : فوافق السعر فيه سعة . قال له التجار : إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافا فأخره جمعة فربح فيه أمثاله . وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام : يا هذا قد كنا قنعنا أن نربح الثلث مع سلامة ديننا وإنك قد خالفت أمرنا وقد جنيت علينا جناية ، فإذا أتاك كتابي فخذ المال كله فتصدّق به على فقراء أهل البصرة وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا عليّ ولا لي . وحدث شيخنا عابد الشط مظفر بن سهل قال : سمعت غيلان الخياط يقول : اشترى سري السقطي كرّ لوز بستين دينارا وكتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه ، فصار اللوز بتسعين دينارا ، فأتاه الدلَّال فقال له : إنّ ذلك اللوز أريده . فقال : خذه . فقال : بكم ؟ قال : بثلاثة وستين دينارا . قال له الدلَّال : إنّ اللوز قد صار الكرّ بسبعين دينارا . قال له السري : قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله لست أبيعه إلَّا بثلاث وستين دينارا . قال له الدلَّال : وأنا قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله ، أن لا أغشّ مسلما ، لست آخذ منك إلَّا بسبعين دينارا . قال : فلا الدلَّال اشترى منه ولا سري باعه . وحدثونا عن رجل من التابعين كان بالبصرة له غلام بالسوس فجهز إليه السكر فكتب إليه الغلام : إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة فاشتر السكر قال : فاشترى سكَّرا كثيرا . فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفا . قال : فانصرف بها إلى منزله فأفكر ليله في الربح فقال : ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين . فلما أصبح غدا إلى الرجل الذي كان اشترى منه السكر فدفع إليه الثلاثين ألفا فقال : هذه لك بارك الله لك فيها . قال : ومن أين صارت ؟ قال : لما اشتريت منك ، السكر لم آت الأمر من وجهه . إنّ غلامي قد كان كتب إليّ أنّ قصب السكر أصابته آفة فلم أعلمك ذلك ولعلك لو علمت لم تكن تبيعني . فقال : رحمك الله قد أعلمتني الآن ، وقد طيبتها لك . قال : فرجع إلى منزله فبات تلك الليلة ساهرا أو جعل يتفكر في ذلك ويقول : لم آت الأمر من وجهه ولم أنصح مسلما في بيعه لعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد فقال : عافاك الله خذ مالك فهو أصلح لقلبي . قال :
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 444 | أبي طالب المكي / باسل عيون السود