أن يسأل البائع الرجحان إلَّا الله عزّ وجلّ قال : * ( وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ) * [ الرحمن : 9 ] .
أي بالعدل ، وهو السواء . وهو استواء اللسان في البكرة لا مائلا إلى إحدى الكفتين . وفي قراءة عبد الله : ولا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط باللسان ولا تخسروا الميزان فهذا مفسر في هذا الحرف ومكروه المعاملة بالمزيفة ، ولا يصلح بدرهم تكون الفضة فيه مجهولة أو مستهلكة ولا بما لا تعرف قيمته وما يختلط بالفضة من غيرها فلا تمتاز منه .
فقد كان بعض السلف يشدد في ذلك ويحرمه منهم الثوري والفضيل بن عياض ووهب ابن الورد وابن المبارك وبشر بن الحارث والمعافى بن عمران رضي الله عنهم . ويقال : إنّ كل قطعة من المزيفة ينفقها صاحبها يجدها ملصقة في صحيفته بعينها وصورتها مكتوب تحتها ألف سيّئة ، خمسة آلاف سيّئة على قدر وزنها ، ووزن ذرة منها سيّئة ، والذرة نقطة من هباء شعاع الشمس في الضوء .
حدثني بعض العلماء عن بعض الغزاة في سبيل الله عزّ وجلّ قال : حملت على فرسي لأتناول بعض العلوج فقصر فرسي فرجعت ، ثم دنا مني العلج فحملت عليه ثانية لأتناوله فقصر فرسي ، وحملت عليه ثالثة وقد قرب مني فنقر بي فرسي ، ولم أكن أعتاد ذلك منه : فرجعت حزينا ، فجلست إلى جنب فسطاطي منكرا للذي فاتني من أخذ العلج .
ولما اختلف عليّ من خلق فرسي قال : فوضعت رأسي على عمود الفسطاط فنمت وفرسي قائم بين يدي ، فرأيت في النوم كأنّ الفرس يخاطبني ويقول لي : بالله عليك أردت أن تأخذ عليّ العلج ثلاث مرات ، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا ؟ لا يكون هذا أبدا . قال : فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلَّاف فقلت له : أخرج إليّ الدراهم التي اشتريت بها منك بالأمس العلف . قال : فأخرجها إليّ . فأخذت منها الدرهم الزائف فقلت : إني كنت قد جوزت عليك هذا الدرهم بالأمس . قال : فأبدلته له وانصرفت .
وقال عبد الوهاب : سألت بشرا عن المعاملة بالمزيفة فقال : سألت المعافى عنها فقال سألت الثوري عنها فقال حرام .
وحدثنا عن أبي داود قال : سمعت أحمد أنكر التجارة والمعاملة بالمزيفة والمكحلة . وقد كان بعض علمائنا يقول : إنفاق درهم مزيف أشد من سرقة مائة درهم .
قال : لأن سرقة مائة درهم معصية واحدة منقضية ، وإنفاق دانق مزيف بدعة أحدثها في الدين ، وإظهار سنّة سيّئة يعمل بها بعده ، وإفساد لمال المسلمين ، فيكون عليه وزره إلى مائة سنة . فأكثر ما بقي ذلك الدرهم يدور في أيدي المسلمين ويكون عليه ، ثم أفسد ونقص من أموال المسلمين إلى آخر فنائه وانقراضه ، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه ،
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 447
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٤٧