تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
فدفع إليه ثلاثين ألفا . وقال سليمان التميمي : لقد ترك محمد بن سيرين أربعين ألف درهم من شيء حاك في صدره ، لم تختلف العلماء أن ليس به بأس . ويقال : إنّ هذا كان سبب غلبة الدين عليه ، ثم ليتّق البائع مدح السلعة وتنفيقها من خرف الكلام وليحذر المشتري ذمها وعيبها بما ليس فيها للخداع . وأما الإيمان على ذلك فهو معصية وممحقة للكسب . وقد كان السلف يشددون في ذلك . قال أبو ذر : كنا نتحدث أنّ من نفر لا ينظر الله إليهم ، التاجر الفاجر ، وكنا نعد من الفجور أن يمدح السلعة بما ليس فيها . قال يونس بن عبيد : وكان خزازا فجاءه رجل يطلب ثوب خز ، فأمر غلامه أن يخرج رزمة الخز ، فلما فتحها قال الغلام : أسأل الله الجنة . فقال شدّ الرزمة . ولم يبع منها شيئا خشية أن يكون قد مدح . ويقال : إنه كانت عنده حلل على ضربين أثمان ضرب منها أربعمائة كل حلة ، وأثمان الآخر مائتان . فذهب إلى الصلاة وخلف ابن أخيه ليبيع فجاءه أعرابي يطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها منه ومشى بها هي على يده ينظر إليها خارجا من السوق فاستقبله يونس بن عبيد خارجا من المسجد فعرف حلته فقال بكم أخذت هذه الحلة ؟ فقال : بأربعمائة . فقال : لا تسوي إنما قيمتها مائتان فقال : يا ذا الرجل إنّ هذه تساوي ببلدنا خمسمائة درهم . فقال له يونس : إنّ النصح في الدين خير من الدنيا كلها ثم أخذ بيده فرده إلى ابن أخيه فجعل يخاصمه ويقول : أما اتقيت الله ؟ أما استحيت أن تربح مثل الثمن وتترك النصح لعامة المسلمين ؟ فقال : والله ما أخذه إلَّا عن تراضي . فقال : وإن رضي إلا رضيت له ما رضيت لنفسك ، ثم ردّ على الأعرابي مائتي درهم . وقد فعل مثل ذلك محمد بن المنكدر وكانت عنده شقاق جنابية وبصرية أثمان بعضها خمسة خمسة ، وأثمان بعضها عشرة عشرة ، فخلفه غلامه في الحانوت فغلط فباع أعرابيّا شقة من الخمسات بعشرة ، فجاء ابن المنكدر فتفقد الشقاق فعرف غلطه فقال : ويلك أهلكتنا . اذهب فاطلب الأعرابي في الأسواق . فلم يزل يطلبه يومه أجمع حتى وجده . فقال له ابن المنكدر : يا هذا إنّ الغلام غلط فباعك ما يسوى خمسة بعشرة . فقال : يا هذا قد رضيت . فقال : وإن رضيت لنفسك فإنّا لا نرضى لك إلَّا ما نرضاه لأنفسنا فاختر إحدى ثلاث خصال ، إما أن تأخذ شقة من العشرات بدراهمك وإما أن نرد عليك خمسة ، وإما أن ترد علينا شقتنا وتأخذ دراهمك . فقال : أعطني خمسة . قال : فأعطاه من دراهمه خمسة فانصرف الأعرابي فجعل يسأل عنه فيقول : من هذا الشيخ ؟ فقيل : هذا محمد بن المنكدر فقال : لا إله إلَّا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا .