تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
للدين ، مخبثة للكسب . فإن أشكل عليه شيء من هذه الأمور لخفائها سأل أهل العلم والفتيا فيأخذ عنهم على مذهب الورعين ورأي المتّقين ، وليحتط لدينه ، ولينظر لنفسه ولا يغمض في أمر آخرته ، فذلك خير له وأحسن توفيقا ، وليجتنب الصنائع المحدثة من غير المعروفة والمعايش المتبدعة في زماننا هذا ، فإن ذلك بدعة ومكروه إذا لم يكن فيما مضى من السلف . وكلما كان سببا للمعصية من آلة وأداة فهو معصية ، فلا يصنعه ولا يبيعه ، فإنه من المعاونة على الإثم والعدوان ، وكلما أخذ من المال على عمل بدعة أو منكر فهو بدعة ومنكر ، وكل معين لمبتدع أو عاص فهو شريكه في بدعته ومعصيته ، وأخذ المال على جميع ذلك من أكل المال بالباطل ، ومن أكل الحرام فقد قتل نفسه وقتل أخاه لأنه أطمعه إياه ، قال الله تعالى : * ( ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) * [ البقرة : 188 ] . وقال تعالى : * ( ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * [ النساء : 29 ] . وليس هذا من سبيل المؤمنين . وقد قال الله تعالى : * ( ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) * [ النساء : 115 ] . ولا ينبغي للسوقي أن يشغله معاش الدنيا عن الآخرة ، ولا تقطعه تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة ، ولا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ، لأنه من الموقنين ، وبيوت الله عزّ وجلّ في الأرض هي أسواق للآخرة . قال الله عزّ وجلّ : * ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وإِقامِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ ) * [ النور : 37 ] . وقال الله عزّ وجلّ : * ( في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ والآصالِ ) * [ النور : 36 ] . رجال . فليجعل العبد طرفي النهار لخدمة سيده يذكره ويسبحه في بيته بحسن معاملته . وقد كان عمر رضي الله عنه يأمر التجار فيقول : اجعلوا أول نهاركم لله عزّ وجلّ وما سوى ذلك لنفوسكم . وفي أخبار السلف كانوا يجعلون أول النهار للآخرة وآخره لدنياهم . ويقال : إنّ الهريسة والرؤس لم يكن يبيعها في الشتاء إلَّا الصبيان وأهل الذمة لأن الهراسين والرآسين يكونون في المساجد إلى طلوع الشمس . ويقال إنهم : كانوا يجتمعون في المساجد بعد العصر للذكر والتسبيح حتى يدخل الرجل فيقول : أصلَّيتم العصر ؟ يظن أنهم قعود للصلاة ، وإنما كانوا يقعدون للتسبيح إلى غروب الشمس وهذا طريق قد درس . فمن عمل به فقد كشفه . وقال بعض العارفين : الناس ثلاثة ، رجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الناجين ، ورجل شغله معاشه عن معاده فهو حال الهالكين . وقال عالم فوقه : من أحبّ الله عاش ومن أحبّ الدنيا طاش ، والأحمق يغدو ويروح في لاش . وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا دخل السوق يقول : اللهم إني أعود بك من الكفر والفسوق ومن شرّ ما أحاطت به السوق . اللَّهم إني أعوذ بك من
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 441 | أبي طالب المكي / باسل عيون السود