تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : * ( الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُمْ مُهْتَدُونَ ) * [ الأنعام : 82 ] . من هؤلاء ؟ فقال : من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفّ فرجه وبطنه ، ثم لينو المتصرف في معاشه كفّ نفسه عن المسألة والاستغناء عن الناس وقطع الطمع فيهم ، والتشرف إليهم ، فذلك عبادة إذا نوى نزعه ، ثم ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة عياله فهو له صدقة وعليه الصدق في القول والنصح في معاملة إخوانه المسلمين لأجل الدين ، ويعتقد سلامة الناس منه نصحا لهم ورحمة بهم ويعمل في ذلك ويكون أبدا مقدما للدين والتقوى في كل شيء ، فإن انتظمت دنياه بعد ذلك حمد الله وكان ذلك ربحا ورجحانا ، وإن تكدرت لذلك دنياه وتعذّرت لأجل الدين والتقوى أحواله في أمور الدنيا كان قد أحرز دينه وربحه ، وحفظ رأس ماله من تقواه ، وسلم له ، فهو المعول عليه والحاصل له ، إلَّا أنّ من ربح من الدنيا مثل المال وخسر عشر الدين فما ربحت تجارته ولا هدى سبيله وهو عند الله من الخاسرين . وقال بعض السلف : أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل ، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل . وكذلك قال معاذ بن جبل : رضي الله عنه في وصيته أنه لا بدّ لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنه سيمرّ على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما ويزول معك حيثما زلت . قد قال الله تعالى : * ( ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيا ) * [ القصص : 77 ] . لا تترك نصيبك في الدنيا من الدنيا للآخرة ، لأنك من هاهنا تكتسب الحسنات فتكون هناك في مقام المحسنين . ففي الخطاب مضمر لدليل الكلام عليه في قوله تعالى : * ( وأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ولا تَبْغِ الْفَسادَ في الأَرْضِ ) * [ القصص : 77 ] . وقد قال بعض العلماء : من دخل السوق ليشتري ويبيع فكان درهمه أحبّ إليه من درهم أخيه لم ينصح المسلمين في المعاملة . وقال عالم آخر : من باع أخاه شيئا بدرهم وهو يصلح له بخمسة دوانيق فإنه لم يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه حتى لا يبيع أخاه شيئا بدرهم إلَّا وهو يصلح له اشتراؤه به ، فينبغي لهذا المتصرف أن يستوي في قلبه درهمه ودرهم أخيه ورحله ورحل أخيه ، ليعدل فيما يبيعه أو يشتري منه سواء بسواء ، ويكون مراعيا لموافقة حكم الله تعالى الذي ورد به الشرع في الشراء والبيع ، مراعيا للسبب الذي يصل به الدرهم أن يكون السبب معروفا في العلم ، مباحا في الحكم ، فيكون متورّعا في عين الدرهم المعتاض ، لا يكون من خيانة أو سرقة أو فساد أو غصب أو غيلة أو حيلة ، فهذه وجوه الحرام التي تحرم بها المكاسب