تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وقال أيوب قال لي أبو قلابة : الزم السوق فإن الغني من العافية يعني الغني عن الناس والله أعلم والغني الذي يطاع الله تعالى به . وكان يقول بعض السلف : اتّجر وبع واشتر ولو برأس المال يجعل لك من البركة ما لا يجعل لصاحب الزرع . وقال ابن محيريز وكان من عباد أهل الشام : ما من طعام أملأ به ما بين جنبي بعد غنيمة في سبيل الله من فيء المشركين أقيم بها حق الله عزّ وجلّ أحبّ إليّ من طعام تاجر صدوق . قال : وكانوا يعدون الكاسب على عياله كالمجاهد في سبيل الله عزّ وجلّ ويرون فضله على غيره . وروي فيه أثر أنّ الله عزّ وجلّ يحبّ المؤمن المحترف . وفي خبر آخر : أنّ الله يحبّ العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس . وحدثني بعض إخواني عن أبي جعفر الفرغاني قال : كنا يوما عند الجنيد فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد يتشبهون بالصوفية ، ويقصرون عمّا يجب عليهم من حق الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق . فقال الجنيد : كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل في المسجد فيأخذ بإذن بعض من هو فيه فيخرجه ويجلس مكانه ، إني لأعرف رجلا يدخل السوق وورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة . قال : فسبق . وهمّي أنه يعني نفسه ، فإن كان العبد سوقيّا فليبدأ فليتعلم علم البيع والشراء والأخذ والعطاء ومعاملة الناس في البيوع ومعرفة أبواب الربا ، ليعلم ذلك قبل الوقوع فيه فيجتنب ذلك ويتّقيه ، وليغد إلى المفتي فيسأله عن علم حاله كل يوم من وجوه معاملته ، إن لم يكن قد تقدم علمه بذلك ولم يكن عالما به في وقت المعاملة ، فليجعل بكوره إلى المفتي قبل غدوه إلى السوق ، فإن لكل عمل علما ، ولله في كل شيء حكم ، فلا يغنيك كبير علم عن علم غيره ، فإن لم تفعل ذلك دخل عليك الربا والبيوع الفاسدة . وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف في الأسواق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول : لا يبيع في سوقنا إلَّا من تفقه وإلَّا أكل الربا شاء أو أبى . ثم لينصرف بعد العلم فيما يدخل فيه فيما أبيح له من تجارة أو صناعة بصدق معاملة وصدق في مبايعة ، ناويا في ذلك إقامة سنّة وأمرا بمعروف ، ونهيا عن منكر ، وجهادا في سبيل الله ، لأنّ من أخذ الحق وأعطاه وعامل بصدق ونصح فهو معاون على البرّ والتقوى وفي جهاد العدو والهوى سيما في زمان يكثر فيه الباطل لأنّ صلاح الدين بصلاح الدنيا وفساده بفسادها لتعلق أحدهما بالأخرى وحاجة كل واحد منهما بصاحبه . وفي الخبر : لا يستقيم عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه .