وكان من خيار التابعين المؤمنين من يستحب له الجمع بين هؤلاء الثلاث : الأم والأخت والبنت ، لما فيهن من عظيم المثوبة والفضل ليخالف بذلك سنة الجاهلية . فقد توجد هذه المعاني أو بعضها في العزل فلذلك سميناه شركا وكرهناه ، وهو مذهب الخوارج من النساء كأن فيهن تقزز وتعمق من استعمال كثرة الماء للطهارة ، ودخول الحمامات ومجاوزة الحد في الطهور . وكنّ أيضا يقضين الصلاة أيام الحيض ويصمن في حيضهن ، ولا يصلَّين في ثياب الحيض حتى يغسلنها ، ولا تدخلن الخلاء إلَّا عراة ، وكانوا يكرهون الولادة طلبا للنظافة والتقرز خلاف السنة . نساء العرب ابتدعوا هذه البدع ففارقوا بها سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن نسائه من أنباط العراق وأهل النهر . وكان بعضهن دخل على عائشة رضي الله عنها لما قدمت البصرة ، فلم تأذن لهن في الدخول عليها . وأيضا فإن الله ورسوله ندبا إلى اتخاذ الولادة بقوله تعالى : * ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ ) * [ البقرة : 223 ] .
قيل : الولد وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : خير نسائكم الودود الولود وقوله صلى الله عليه وسلم : سوداء ولود خير من حسناء لا تلد ، وحصير في البيت خير من امرأة لا تلد . ومن بركة المرأة أن تيسر رحمها أحوج ما يكون إلى الجماع إذا طهرت من الحيض . وفي هذا الوقت أكثر ما يعبر النساء بالحمل وأحمد ما يكون المولود عاقبة إذا علق به قبل الطهر . فلهذه المعاني عقب الله عزّ وجلّ الأمر بالجماع والولد بعد الطهر في قوله تعالى : * ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ) * [ البقرة : 222 ] . ولأضدادها في الكراهة والذم أمر الله تعالى باعتزال النساء في الحيض .
ويقال إنّ كل مبذول كان أو مجنونا أو مجذوبا أو مختلا ، أو في حاله وعتلا مخبلا لأنه كان غرسه في سبخة من الأرض فلم يزرع ولم يزك ، ومن زرع من حرث طيب زكا زرعه وهو الغشيان في الطهر فلذلك قال : من حيث أمركم الله ، وقد رخص طائفة في العزل .
روينا في ذلك رخصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان سعد يعزل وقد أنكر عليّ عليه السلام على ابن عباس رضي الله عنهم في قوله : إنّ العزل هي الموؤودة الصغرى وقال : إنها لا تكون موؤودة إلَّا بعد سبع ثم تلا قوله عزّ وجلّ : * ( وإِذَا الْمَوْؤٌدة سُئِلَتْ ) * [ التكوير : 8 ] . أنها ذكرت بعد سبع ثم تلا قوله عزّ وجلّ آية تنقيل الخلقة : * ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً ) * [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله * ( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) * أي نفخ الروح فيه قال : فلا يكون موؤودة مقتولة إلَّا بعد هذه السبع الخصال ، ولأن الله عزّ وجلّ ذكرها في كوّرت بعد سبع معان ثم جمع بينهما في الفهم فاستنبط ذلك .
وهذا من دقيق العلم وغامض الفهم ولطيف الاستدلال الذي تفرد به عليه السلام لثقوب
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 427
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٢٧