تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
والزهو والجبن . فإن المرأة إذا كانت مزهوة أي معجبة استنكفت إن تكلم الرجال ، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها . وأكره العزل كراهية شديدة فإنه دقيقة من الشرك الخفي ، وفيه نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم . وكرهه جماعة من السلف الصالح ، ولم يكن خيار المتّقين يعزلون . وأقلّ ما فيه ، الخروج من التوكل على الله عزّ وجلّ ، وقلة الرضا بحكم الله تعالى . وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول العزل هي الموؤودة الصغرى فلقوله هذا استنباط حسن من السنّة ، وذلك أنه روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلم في فضائل الجماع : أنّ الرجل ليجامع أهله فيكتب له من جماعة أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله عزّ وجلّ . فقيل له : وكيف ذلك يا رسول الله فقال : أنت خلقته ، أنت رزقته ، أنت هديته ، إليك محياه إليك مماته . قالوا : بل الله خلقه ، ورزقه ، وهداه ، وأحياه ، وأماته . قال : فأنت تراه في هذا المعنى في يقول : إذا جامعت فأمنيت في الفرج . وقد قال الله تعالى : * ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ . أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ) * [ الواقعة : 58 ] . فإذا لم يخلق الله من منيك خلقا حسب لك كأنه قد خلق منه ذكرا على أتم أحواله وأكمل أوصافه بأن يقاتل في سبيل الله فيقتل ، لأنك قد جئت بالسبب الذي عليك وليس عليك خلقه ولا هدايته ، وإنما يقدر على ذلك الله عزّ وجلّ وهو فعله مجرّدا فكان لك أجر ما لو فعله الله تعالى إذا قد أتيت بما أمكنك عمله ، فلذلك قال ابن عباس : هو الموؤودة الصغرى لأنه يوجد العزل بعدم هذا الفضل ، إذا كان العبد سبب عدمه لأنه لم يفعل ما يتأتى منه الولد ، فذهب فضله وحسب عليه فتله ، وإنما قلنا أنّ العزل دقيقة من الشرك لأن أهل الجاهلية كان سبب قتلهم بناتهم معاني أحدها خشية العار بهن ، ومنها كراهة الإنفاق عليهن ومنها الشح وخوف الفقر والإملاق . وكان العرب من ولد له بنون وبنات فمات البنون وعاش البنات سموه أبتر وذموه بذلك . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف الذي يكرهون مات ولده الذكر وعاش البنات ، فلذلك كان يسمونه مذمّما أي مذموما عندهم . ومنه سبه العاص بن وائل حتى قال ، إنك أبتر فرد الله عزّ وجلّ عليه فقال تعالى : * ( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) * [ الكوثر : 3 ] . أي لا ذكر لك بعد موتك قد انقطع ذكرك بموت الذكور من ولدك فقال الله عزّ وجلّ : * ( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) * [ الكوثر : 3 ] . الذي ينقطع ذكره وثناؤه فلا يذكر بخير بعد موته ، فأما أنت فقد رفعت لك ذكرك تذكر معي إذا ذكرت . وكانت العرب تقول : من كنّ له أحد الحوبات الثلاث ، لم يشرف عشيرته ولم يسد قومه يعنون بالحوب الأم والأخت والبنت ، والحوبات جمع حوب وهي كبيرة قال الله تعالى : في أكلكم : * ( أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) * * ( كانَ حُوباً كَبِيراً ) * [ النساء : 2 - 10 ] . عندي ليس هذا الذي قلتم عندكم .