قوله : وان ثبوتها لها محتاج إلى جعل :
لا تثبت الحجية بالجعل كي يكون غير الحجة حجة بإنشاء حجيته ، بل ما هو حجة حجة بحكم العقل اما مطلقا أو في حال الانسداد ، وما
ليس بحجة لا يكون حجة أبدا ، لا لان الحجية غير قابلة للجعل ، وإن كان الامر كذلك ، بل لان الحجية إن كانت بالجعل لزم التسلسل إلى
حجة أخرى مثبتة للحجة الأولى ، وهي إن كانت عقلية كانت الحجة في الحقيقة هي تلك الحجة العقلية لا هذه الشرعية ، وإن كانت حجة
جعلية شرعية عادة ذكرناه أولا ، وهكذا .
وبالجملة : لا بد أن تكون الحجية صادرة من باب العقل ، ولا محيص عن أن يكون مناخ رحال التكليف ببابه ، فصح أن يقال : ليست الحجة
إلا القطع أو الظن على الحكومة .
قوله : ولعله لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل :
المراد من المحتمل هنا ما يشمل الموهوم ، ودفعه غير لازم ، وإن قلنا بوجوب دفع الضرر المشكوك ، لكن ذلك لا يجدي في المقام
المقطوع فيه توجه الضرر ، فإن العقل يلزم في مثله بوجوب دفعه على سبيل القطع ولا يكتفي بالظن ، مع بقاء احتمال عدم الدفع ، ولو
ضعيفا ، وهو المعبر عنه بقاعدة الاشتغال .
قوله : وعدم لزوم محال منه عقلا :
يعني أن البحث في الامكان الوقوعي بعد التسالم على الامكان الذاتي ، لكن ظاهر كلام ابن قبة عكس ذلك ، وإن التعبد بالظن بنفسه
محال لا أنه مستلزم للمحال ، وهو كذلك ، لان البحث في التعبد بالظن بعد ثبوت الأحكام الواقعية ، وإلا فلا استحالة بوجه ، لا ذاتا ولا
بالغير ، لو قطع النظر عن الأحكام الواقعية ، كما يراه المصوبة . وبعد ثبوت الأحكام الواقعية يكون التعبد بالظن محالا ذاتا ، لأنه من
اجتماع الضدين مع الخطأ والمثلين مع الإصابة .
نعم ، يلزم من التعبد تفويت المصالح الواقعية والالقاء في المفاسد الواقعية ، وكذلك يلزم طلب الضدين فيما إذا أخطأ وأدى إلى طلب
ضد ما هو المطلوب واقعا ، وكل منهما قبيح ، ليس بمحال ، وإن كان يستحيل صدوره من الحكيم .
نهاية النهاية — صفحة 49
مساهمون: الشيخ علي الغروي الإيرواني
ص٤٩