في دوران الامر بين التعيين والتخيير في التكليف : هو التخيير بإجراء أصالة البراءة عن خصوصية التعين ، ومن ذلك يظهر حكم ما إذا
دار الامر بين أن تكون الحجة ما اختاره المكلف من المتعارضين أو خصوص واحد معين واقعا ، غير معين لدى المكلف . فإنه لا بد من
معاملة حجية ذلك المعين بالاحتياط في الأطراف ، إذا دل أحد الخبرين على وجوب شئ ودل الاخر على وجوب آخر ، وبالرجوع إلى
البراءة لو دل أحدهما على حكم إلزامي ودل الاخر على حكم ترخيصي .
قوله : كخبر الحسن بن جهم عن الرضا عليه السلام قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة :
الدال على التخيير من هذه الأخبار هو هذا الخبر فقط ، لقوة احتمال أن يكون خبر ابن المغيرة في مقام أصل اعتبار خبر الثقة ، فإنه في
سياق سائر ما دل على حجية خبر الواحد ، ولا إشارة فيه إلى أن المقصود صورة التعارض .
نعم ، في قوله : حتى يرى القائم فيرد عليه إيهام بذلك ، حيث إن حجية خبر العدل غير مغيا برؤية القائم ، إلا أن ينتقض بأن التخيير بين
المتعارضين أيضا عند من يقول به غير مغيا برؤيته ، واما مكاتبة عبد الله بن محمد ، فالظاهر : ان التوسعة والتخيير فيه تخيير في الحكم
الفرعي لا في الحجة ، وان ركعتي الفجر يجوز في كل من المحمل والأرض ، اختيارا ، سيما ومن المستبعد ان يترك الامام بيان حكم
المسألة الفرعية ، ويحيل السائل إلى التخيير في المسألة الأصولية ، ومثل ذلك الكلام في مكاتبة الحميري ، ولا ينافيه قوله عليه السلام
فيها : ( وبأيهما أخذت ) من باب التسليم ، كان صوابا ، فان المراد من التسليم هو التسليم لقول المعصوم ، والمروي عنه ، والانقياد والطوع
له لا التسليم لقول الثقة الراوي ، ليكون ذلك شاهدا على أن المراد هو التخيير في العمل بقول كل من الراويين ، بما هو قول الراويين .
قوله : ومنها ما دل على التوقف مطلقا :
لعل ارتباط هذه الطائفة بالمدعى ، وهو عدم التساقط كشفها عن وجود حجة فعلية مبهمة في البين ، ومن باب الرعاية لها أوجب التوقف
والاحتياط في العمل ، فلو كان التساقط حقا لم يكن مجال للتوقف ، وكان المحكم هو الأصل الموافق لأحدهما أو مطلقا ، ولو كان مخالفا
لهما .
نهاية النهاية — صفحة 256
مساهمون: الشيخ علي الغروي الإيرواني
ص٢٥٦