شرح
المشركين يقدُمهم أبو سفيان - وأحياناً يحاربهم كما في سائر غزواته - وربما
اختفى عنهم في الغار ثلاثة أيّام ، وربما تحصّن في شعب أبي طالب أربع سنين .
كلّ ذلك لمصالح وقتيّة اقتضاها أمر إحياء الدين ، ولعلّ منها انتظار توبة بعض
الكفّار أو المنافقين ، ورجاء رجوعهم إلى الحقّ واليقين ؛ أو انتظار خروج من في
أصلابهم من المؤمنين ؛ أو تماميّة الحجّة عليهم وعلى غيرهم ، أو أمثال ذلك ، فإنّ
كلاّ منها يوجب الصبر والصلح ، كما أنّ اليأس عن كلّ ذلك والعلم بعدم وجود شيء
من تلك المصالح يوجب الحرب والقتال ؛ إقامةً للمعروف ، وإزالةً للمنكر .
ولذلك كلّه تأسّى أيضاً أبوهما أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قبلهما برسول الله في صبره
وسكوته يوم السقيفة ، وفي مواضع أُخرى ، ثمّ في قيامه بالحرب يوم الجمل ويوم
صفّين ، ثمّ في صلحه مع أصحاب النهروان في بدو الأمر ، ثمّ قتاله معهم في السنة
الثانية ، فإنّ كلّ ذلك لم يكن منه ( عليه السلام ) إلاّ بأمر من الله تعالى ورسوله ، وعلمه بمصالح
الأوقات المختلفة ، ومقتضيات الأسرار المكنونة الّتي أخبره النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بها ،
وعلّمه إيّاها .
وهكذا الأمر في سكوت الأئمّة من ولده المعصومين وصبرهم على مكاره
الدهر ، واحتمالهم المصائب والمظالم من سلاطين عصرهم ، وسائر الظالمين ، مع
قدرتهم الكاملة على دفعها عن أنفسهم وعن شيعتهم وأهاليهم بإذن الله تعالى ،
حيث إنّهم بأجمعهم خلفاً عن سلف أخذوا علم المنايا والبلايا عن جدّهم
رسول الله ، وتأدّبوا بآدابه الجميلة ، وتعلّموا منه مكارم أخلاقه الفاضلة الشريفة ،
وكان هو عالماً بما كان وما يكون إلى يوم القيامة بتعليم له من ربّه تعالى ، وهو
المصفّى المربّى بيد قدرته جلّ وعلا .
وبالجملة : لم يكن سكوت أحدهم عن العدوّ ، أو صلحه معه ، جُبناً أو عجزاً ،
كما أنّ قتالهم عند الاقتضاء لم يكن توحّشاً ولا ظلماً ولا طلباً للجاه ، ولا حرصاً
على الملك ، كما يظنّه بعض الجهّال المنحرف عنهم ، أو المعادي لهم ، وحاشاهم عن
كلا الأمرين ، ثمّ حاشاهم ، وأنّ لهم بأجمعهم الشرف الأقصى ، وغاية المجد والعُلا ،