تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
شرح
المشركين يقدُمهم أبو سفيان - وأحياناً يحاربهم كما في سائر غزواته - وربما اختفى عنهم في الغار ثلاثة أيّام ، وربما تحصّن في شعب أبي طالب أربع سنين . كلّ ذلك لمصالح وقتيّة اقتضاها أمر إحياء الدين ، ولعلّ منها انتظار توبة بعض الكفّار أو المنافقين ، ورجاء رجوعهم إلى الحقّ واليقين ؛ أو انتظار خروج من في أصلابهم من المؤمنين ؛ أو تماميّة الحجّة عليهم وعلى غيرهم ، أو أمثال ذلك ، فإنّ كلاّ منها يوجب الصبر والصلح ، كما أنّ اليأس عن كلّ ذلك والعلم بعدم وجود شيء من تلك المصالح يوجب الحرب والقتال ؛ إقامةً للمعروف ، وإزالةً للمنكر . ولذلك كلّه تأسّى أيضاً أبوهما أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قبلهما برسول الله في صبره وسكوته يوم السقيفة ، وفي مواضع أُخرى ، ثمّ في قيامه بالحرب يوم الجمل ويوم صفّين ، ثمّ في صلحه مع أصحاب النهروان في بدو الأمر ، ثمّ قتاله معهم في السنة الثانية ، فإنّ كلّ ذلك لم يكن منه ( عليه السلام ) إلاّ بأمر من الله تعالى ورسوله ، وعلمه بمصالح الأوقات المختلفة ، ومقتضيات الأسرار المكنونة الّتي أخبره النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بها ، وعلّمه إيّاها . وهكذا الأمر في سكوت الأئمّة من ولده المعصومين وصبرهم على مكاره الدهر ، واحتمالهم المصائب والمظالم من سلاطين عصرهم ، وسائر الظالمين ، مع قدرتهم الكاملة على دفعها عن أنفسهم وعن شيعتهم وأهاليهم بإذن الله تعالى ، حيث إنّهم بأجمعهم خلفاً عن سلف أخذوا علم المنايا والبلايا عن جدّهم رسول الله ، وتأدّبوا بآدابه الجميلة ، وتعلّموا منه مكارم أخلاقه الفاضلة الشريفة ، وكان هو عالماً بما كان وما يكون إلى يوم القيامة بتعليم له من ربّه تعالى ، وهو المصفّى المربّى بيد قدرته جلّ وعلا . وبالجملة : لم يكن سكوت أحدهم عن العدوّ ، أو صلحه معه ، جُبناً أو عجزاً ، كما أنّ قتالهم عند الاقتضاء لم يكن توحّشاً ولا ظلماً ولا طلباً للجاه ، ولا حرصاً على الملك ، كما يظنّه بعض الجهّال المنحرف عنهم ، أو المعادي لهم ، وحاشاهم عن كلا الأمرين ، ثمّ حاشاهم ، وأنّ لهم بأجمعهم الشرف الأقصى ، وغاية المجد والعُلا ،