شرح
ولا مانع من كون مثله مأجوراً على بذل جُهده واستفراغ وُسعه في طلب
الحكم الفرعي الحقيقي الثابت من الشرع المقدّس في الموضوع الكذائي ، فإنّ
العقل لا يحكم بقبح إثابته على تَعَبه ذلك وإن أخطأ في إصابة الواقع ، ولم يدركه
بعد السعي وبذل الجُهد في تحصيله .
وأين ذلك من ارتكاب أكبر المحرّمات الشرعيّة ، وأفظع المنهيّات الدينيّة الإلهيّة ،
الموجبة فعلها غاية الفسق أو الكفر ، والخروج عن الدين بنصّ الكتاب وآياته
المحكمة والسنّة المتواترة وإجماع الأُمّة ، وتصديق العقل وحكمه القطعي بالقبح ؟
وكيف يجوز الاجتهاد في أُصول الدين والمذهب ، فضلا عن المثوبة على
الخطأ فيها ، مع وضوح أنّ تجويز ذلك يفتح باباً واسعاً من العذر لجميع فرق الكفّار
والمشركين وسائر الملحدين والمنافقين في انحرافهم عن الدين القويم ؟ وتتمّ لهم
الحجّة بذلك على ربّهم في عدولهم عن الصراط المستقيم بدعوى الاجتهاد .
وهل يتفوّه بذلك مسلم ؟ أو هل يقول بذلك أدنى عاقل ؟ ولا سيّما من يدّعي
الإيمان بالكتاب الكريم ؟ فأين إذاً قوله تعالى : ( لئلاّ يكون للناس على الله حجّة
بعد الرسل ) ( 1 ) ( فللّه الحجّة البالغة ) ( 2 ) وأمثالهما من الآيات المحكمة المثبتة
لانقطاع أعذار العبيد في مخالفاتهم الكتاب والسنّة والعقل ؟
أم كيف يستتر أو يرمّم ما وقع من عائشة في وقعة الجمل وغيرها ؟ وما صدر
من معاوية في وقعة صفّين ، وما هو أفظع منها من إثارة الفتنة ، وإيقاد نيران
الحروب على عليّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهو إمام زمانهما وخليفة نبيّهما بالعقل
والنقل ، وإجماع الأُمّة عامّة . ثمّ تظاهرهما بتكفير ذلك الإمام المطلق ( عليه السلام )
وعداوته ، وإباحة دماء كلّ من ينتمي إليه أو يحبّه ولو بالتهمة ودعوى الزور ،
وشهادة الباطل والكذب والافتراء .
ثمّ نشر سبّه ولعنه في جميع أقطار الأرض في المعابد والمساجد ( 3 ) وعلى
هامش
( 1 ) النساء : 165 .
( 2 ) الأنعام : 149 .
( 3 ) انظر صحيح مسلم 4 : 1871 / 2404 ، العقد الفريد 5 : 114 ، فلك النجاة : 344 فما بعد .