نظمتها وكنت أجرع الغصص * فقد جرى في عهدنا ما لا يقص
العلم قد ذلّ وقَلّ أهله * فاستَملِهِ شوقاً ولا تملّه
واسعَ ولا تفوّت العمرَ ولم * تجن ثمار العلم منه والحكم
شرح
بمقاصدي بعد طول ملازمتك لي وربيّك في حجري ، مضافاً إلى مالي عليك من
حقوق الأُبوّة والتربية والتعليم أكثر ممّا لي على غيرك « و » مع أنّك لمكان الرحميّة ،
وحفظ حقوق الأُبوّة « للعيوب » الموجودة في أبيك « أستر » ساتر من الخليقة ؛
للعلم بأنّك لو رأيت نقصاً فيه ، أوفي مطالبه ، أوفي نظمه : لتجِدّ في إصلاحه وترميمه .
واعلم أنّي « نظمتها وكنت أجرع الغصص » أي : أبتلع ما يغصّ به الحلق من
الشجى والشوك ، فلا يسوغ وأكظم الغيظ جرعةً بعد جرعة ، فكأنّه حَسَكٌ ( 1 ) وَقَفَ
في الحلق لم يكد يُسيغه ، وذلك لمّا حدث في عصرنا من ضعف الدين وقلّة أهل
العلم « فقد جرى في عهدنا » من الفتن والبلايا « ما لا يُقص » ولا يمكن بيانه
بحقيقته ، حيث ترى أنّ « العلم » الديني « قد ذلّ » عند أهل العصر « وقلّ أهله »
الراغبون فيه .
« فاستمله » أي : أُطلب إملاءه وكتابته ، « شوقاً » إليه ، ورغبةً فيه . « ولا تمُلّه »
أي : ولا تسأم منه ، ولا تأخذك الملل من تحصيله وكتابته « واسْعَ » سعياً بليغاً ببذل
الجُهد في طلبه « ولا تفوّت العمر » العزيز ، ولا تذهب به سُدى حتّى يأتيك الموت
« و » أنت « لم » تقطف ثمرةً من شجرة حياتك ، ولم « تجن ثمار العلم منه » أي : من
عمرك « و » تذق طعم فواكه « الحكم » والمعرفة من حديقة أيّامك ، فإنّ العمر
كشجرة مغروسة ، وثمرتها : العلم والمعرفة الّتي هي الغاية القُصوى من الخِلقة كما
قال تعالى : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ) ( 2 ) أي : ليعرفون .
ومن الواضح أنّ الشجرة من غير ثمرة وقود النار .
هامش
( 1 ) الحسك : نبات له ثمرة خشنة تعلق بأصواف الغنم . أقرب الموارد 1 : 192 ( حسك ) .
( 2 ) الذاريات : 56 .