شرح
زفيراً وشهيقاً ونطقاً وكلاماً وفوراناً وغلياناً وسوقاً وذهاباً وإياباً ، كما أُشير إلى
ذلك كلّه في آيات عديدة نحو قوله سبحانه : ( إذا أُلقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي
تفور * تكاد تميّز من الغيظ ) ( 1 ) ( يوم نقول لجهنّم هل امتلأت وتقول هل من
مزيد ) ( 2 ) ( وجئ يومئذ بجهنّم يومئذ يتذكّر الإنسان ) ( 3 ) ( وإنّها تغلي كغلي
الحميم ) ( 4 ) .
إلى غير ذلك من آثارها المخالفة لما يشاهد في النار الدنيوي المضيئة الخالية
عن كلّ تلك اللوازم والآثار .
ثالثها : وضوح فساد ما تقوّله ، من كون البلى والفناء في الموجودات الحاضرة
من لوازمها الذاتيّة على سبيل الزوجيّة للأربعة مثلا بحيث لم يمكن التفكيك بينهما
ذهناً أو خارجاً ، فإنّ بطلان ذلك بمكان من الوضوح ؛ ضرورة أنّ ذلك ليس إلاّ من
العوارض الحادثة في الأشياء عند حدوث أسبابها ، ولذلك يشاهد كثيراً وقوع
التخلّف بينهما فضلا عن إمكانه .
أما ترى بقاء كثير من الأثمار واللحوم وأمثالها مدّة طويلة سالمة عن الفساد
والفناء بسبب التحفّظ عليها وكنزها في المواضع المصونة عن موجبات ذلك ، بل
ربما يشاهد كثيراً - ولا سيّما في الأعصار الحاضرة - بقاء أجساد كثيرة من
الموتى غضّة طريّة في دهور طويلة بسبب بعض الأدوية المستحدثة الّتي تزرق
فيها ، وكلّ ذلك واضح لا خفاء فيه كوضوح دلالة ذلك كلّه على صحّة ما ذكرنا من
عدم كون الفناء ذاتيّاً في الأشياء ، وإلاّ لما أمكن التخلّف بالضرورة .
وبذلك يتّضح إمكان البقاء والدوام الأبدي لما في ذاك العالم الأُخروي من النعيم
والجحيم ، وإنّه لا وحشة في دعوى ذلك ولا برهان عقلي على استحالته . هذا .
ويتّبع المذهب المذكور في الخلط والفساد ما تقوّله الفرقة الثانية من أهل
هامش
( 1 ) الملك : 7 - 8 .
( 2 ) ق : 30 .
( 3 ) الفجر : 23
( 4 ) الدخان : 46 .