شرح
الحاضر « وأنّ هذا الزعم » منه « أيضاً خطأ » محض ، حيث إنّه لا مانع بضرورة حكم
العقل من كونه كُرةً محيطةً بهذه الكُرة الحاضرة الدنيويّة بما فيها من الأفلاك .
ومن الواضح أنّ صحّة تلك الدعوى الفاسدة مبتنية على إثبات كون الكُرتين
في عرض واحد ، وكون كلّ منهما منحازاً عن الأُخرى ، وعدم إحاطة إحداهما
بصاحبتها ، وعدم كونهما في ضمن عالم ثالث محيط بهما ، وإلاّ فلا موقع للدعوى
المذكورة بالضرورة ، وهيهات له بإثبات شيء من ذلك بعد وضوح إمكان دعوى
كلّ منها ، مع التسالم على مقدوريّة جميعها للقادر المطلق جلّ وعلا .
وعليه ، فلا مانع من القول بكون ذاك العالم في طول هذا العالم ، بمعنى أنّه
سبحانه يُحدث بعد فناء هذا العالم وطيّ سمائه وانعدام أرضه وأفلاكه ، عالماً ثانياً
غيره مماثلا له على ما أُشير إلى ذلك بقوله تعالى : ( يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ
للكتب ) ( 1 ) وقوله سبحانه : ( يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله
الواحد القهّار ) ( 2 ) .
وحينئذ فأين لزوم الخلأ ولو بعد تسليم كرويّة كلّ منهما ، كما لا مانع أيضاً من
دعوى كون أحدهما محيطاً بالآخر ، أو كونهما محاطين بعالم ثالث ، فإنّه لا يلزم
حينئذ خلأ أيضاً ، ولا يستلزم ذلك محذوراً أصلا وإن قيل بكونهما في عرض
واحد من غير فناء ولا زوال ، فتأمّل جيّداً .
الثاني : أنّه لو وجد عالم آخر فيه نعيم وجحيم فلابدّ من مساواة عناصر نعيمه
وجحيمه لعناصر ما في هذا العالم من النعيم والجحيم ، ولا محيص عن القول بتطابقهما
بقاءً وفناءً ، فإنّ الطبائع في الأشياء من حيث الدوام وعدمه أُمور ذاتيّة ولوازم
قهريّة غير قابلة للاختلاف ، حيث إنّها ليست بجعل جاعل بالضرورة ، فإنّ طبيعة
العمران بنفسها تقتضي البلى والفناء بسبب مرور الدهور عليها ، وكذلك طبائع النِعَم
من المأكول والملبوس ونظائرهما ، وكذا النار ، فإنّها بطبعها تقتضي الفناء والخمود ،
هامش
( 1 ) الأنبياء : 104
( 2 ) إبراهيم : 48 .