شرح
وصف الامتناع والإمكان » بأن يكون أحدهما ممكناً والآخر ممتنعاً ؟ كلاّ ثمّ كلاّ .
ولا شبهة في امتناع ذلك ، وقبحه لدى العقل والعقلاء .
وأمّا الشرع المقدّس ، فقد ملأ الصحف والطوامير كتاباً وسنّةً من التحديث
بوقوعه ووقائعه ، وما يحدث فيه من الأهوال والحساب والميزان والصراط
والجنّة والنار ، وما أُعدّ في كلٍّ منهما من أنواع النِعَم أو صنوف العذاب والنِقَم ، فضلا
عن التحديث بإمكانه ، هذا .
مع إجماع كافّة أصحاب الشرائع من اليهود والنصارى وسائر الملّيّين ، فضلا
عن إجماع المسلمين عامّةً على أنّه لابدّ في عدل الحكيم تعالى من وقوعه بعد
مصافقة الكلّ على إمكانه ، ولم يخالف في ذلك كلّه إلاّ بعض الملاحدة من متقدّمي
الفلاسفة ، مع اختلاف بينهم في ذلك . فهم بين قائل بالامتناع الذاتي ( 1 ) بمعنى استحالة
خلق نشأة أُخرى غير هذه النشأة الدنيويّة ، وعدم إمكان ذلك بنفسه أصلا ورأساً .
وبين قائل بذلك أيضاً ، لكن لا من جهة استحالته بذاته أو من جهة قصور
القدرة الكاملة عن ذلك ( 2 ) والعياذ بالله - كما ربما يستشمّ ذلك من القول الأوّل - بل
من جهة استحالة انتهاء هذا العالم الدنيوي ، وقبح إعدامه أو تبديله بعالم آخر ، بعد
التسالم على استحالة صدور القبيح منه سبحانه .
ثمّ القائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً بينهم في هذا العالم ( 3 ) فقال بعضهم
بحدوثه مع استمراره الأبدي ودوامه السرمدي بلا فناء ولا زوال .
وذهب الآخرون منهم إلى قِدَمِه وأزليّته ، مضافاً إلى استمراره وأبديّته .
ثمّ اختلفوا بينهم أيضاً في كون استحالة انعدامه ذاتيّاً ، بمعنى أنّه بعد وجوده
الحادث أو القديم لا يعقل في حدّ نفسه انعدامه وانفكاك الوجود عنه ، أو كون ذلك
من جهة الامتناع الغيري ، بمعنى أنّه وإن كان بذاته قابلا للفناء والانعدام ، ولكنّه
هامش
( 1 ) حكاه عن قوم من الملّيّين في كشف المراد : 401 .
( 2 و 3 ) حكاه عن الكرامية والجاحظ في كشف المراد : 401 .