تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
شرح
وصف الامتناع والإمكان » بأن يكون أحدهما ممكناً والآخر ممتنعاً ؟ كلاّ ثمّ كلاّ . ولا شبهة في امتناع ذلك ، وقبحه لدى العقل والعقلاء . وأمّا الشرع المقدّس ، فقد ملأ الصحف والطوامير كتاباً وسنّةً من التحديث بوقوعه ووقائعه ، وما يحدث فيه من الأهوال والحساب والميزان والصراط والجنّة والنار ، وما أُعدّ في كلٍّ منهما من أنواع النِعَم أو صنوف العذاب والنِقَم ، فضلا عن التحديث بإمكانه ، هذا . مع إجماع كافّة أصحاب الشرائع من اليهود والنصارى وسائر الملّيّين ، فضلا عن إجماع المسلمين عامّةً على أنّه لابدّ في عدل الحكيم تعالى من وقوعه بعد مصافقة الكلّ على إمكانه ، ولم يخالف في ذلك كلّه إلاّ بعض الملاحدة من متقدّمي الفلاسفة ، مع اختلاف بينهم في ذلك . فهم بين قائل بالامتناع الذاتي ( 1 ) بمعنى استحالة خلق نشأة أُخرى غير هذه النشأة الدنيويّة ، وعدم إمكان ذلك بنفسه أصلا ورأساً . وبين قائل بذلك أيضاً ، لكن لا من جهة استحالته بذاته أو من جهة قصور القدرة الكاملة عن ذلك ( 2 ) والعياذ بالله - كما ربما يستشمّ ذلك من القول الأوّل - بل من جهة استحالة انتهاء هذا العالم الدنيوي ، وقبح إعدامه أو تبديله بعالم آخر ، بعد التسالم على استحالة صدور القبيح منه سبحانه . ثمّ القائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً بينهم في هذا العالم ( 3 ) فقال بعضهم بحدوثه مع استمراره الأبدي ودوامه السرمدي بلا فناء ولا زوال . وذهب الآخرون منهم إلى قِدَمِه وأزليّته ، مضافاً إلى استمراره وأبديّته . ثمّ اختلفوا بينهم أيضاً في كون استحالة انعدامه ذاتيّاً ، بمعنى أنّه بعد وجوده الحادث أو القديم لا يعقل في حدّ نفسه انعدامه وانفكاك الوجود عنه ، أو كون ذلك من جهة الامتناع الغيري ، بمعنى أنّه وإن كان بذاته قابلا للفناء والانعدام ، ولكنّه
هامش
( 1 ) حكاه عن قوم من الملّيّين في كشف المراد : 401 . ( 2 و 3 ) حكاه عن الكرامية والجاحظ في كشف المراد : 401 .