شرح
وأنّ الأعجب من أمر الشياطين قصّة أصحاب الكهف الّذين : ( لبثوا في كهفهم
ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ) ( 1 ) أحياءً غير أموات بلا طعام ولا شراب ، وهم
بشر لا يستغنون عنهما ، يقلّبهم الله تعالى في كلّ سنة مرّتين على أيمانهم وعلى
شمائلهم ، حذراً من النتن على ما صرّح به الكتاب الكريم في قوله سبحانه :
( ونقلّبهم ذات اليمن وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) ( 2 ) وهو أيضاً
حيّ باق بلا طعام ولا شراب .
والوصيد : هو فناء الكهف ، أو عتبة بابه ، أو التراب ، ومثل ذلك ( 3 ) .
أو أعجب منه : ( أو كالّذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى
يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثمّ بعثه ) إلى قوله تعالى : ( فانظر إلى
طعامك وشرابك لم يتسنّه ) ( 4 ) أي : لم يتغيّر ، وكان طعامه تيناً وعنباً ، وشرابه عصيراً
ولبناً ، فأبقى الله تعالى كلّها على ما كانت عليه مائة عام من غير تغيير ولا فساد .
ثمّ قال تعالى : ( وانظر إلى حمارك ) فإنّه سبحانه أعاشه في تمام تلك المدّة
بلا علف ولا ماء ، وبقي واقفاً كذلك مائة سنة كما ربطه صاحبه على ما في تفسير
الرازي ، والكشّاف ( 5 ) .
أفهل بقاء حجّة الله الكبرى وآية الله العظمى ، وهو قرّة عين الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
وفلذة كبد البتول ، أعجب وأغرب من ذلك كلّه ؟
أو هل يصعب على الله تعالى أن يجعل في هذه الأُمّة المرحومة آيةً على
قدرته ، ويطيل عمر أحد أوليائه من ذرّية نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أُسوة بأُولئك المتقدّمين في
الأُمم الماضية ، من الأنبياء العظام والأولياء الكرام ؟
أما صحّ لدى الفريقين قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يكون في هذه الأُمّة كلّما وقع في
هامش
( 1 ) الكهف : 25 .
( 2 ) الكهف : 18 .
( 3 ) الوصيد : الفِناءَ وَعتَبَةِ الباب ، وأوصدتُ الباب : أطبقتُه ، المصباح المنير : 661 ( وصد ) .
( 4 ) البقرة : 259 .
( 5 ) التفسير الكبير 7 : 38 ، الكشّاف 1 : 307 .