شرح
وظهر للخافقين ، وأدهش أهل النشأتين ، فإنّه ( عليه السلام ) بعد ذلك الفتح المبين رجع إلى
الخندق ، ونزل فيه حاملا لذلك الباب المهول فوق رأسه كالجسر بين طرفيه ، حتّى
عبر عليه جموع المسلمين بأحمالهم ودوابّهم إلى جانب الحصون .
وقد قيل : إنّ طول الباب كان يقصر عن عرض الخندق بذراعين ، فكان ( عليه السلام )
ينتقل من موقفه نحو المسلمين ، فيحمل منهم قدر سعة الصخرة ، وينقلهم نحو
الحافة الأُخرى من الخندق ، وبعد نزولهم يرجع لحمل جماعة أُخرى ، ونقلهم إلى
الجانب الآخر ، وهكذا حتّى عبر بهم جميعاً ( 1 ) وقد حار الفريقان من اليهود
والمسلمين وبهتوا بصنيعه وقوّته حتّى قال الثاني للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : يا للعجب يا
رسول الله من قدرة عليّ وقوّته ، فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وأمر قدميه أعجب فانظر إليهما ( 2 ) .
فلمّا نظر الرجل إليهما وإذا هما مرتفعان عن أرض الخندق ، ولم يستقرّا إلاّ في
الجوّ ، وذلك لقصر قامته ( عليه السلام ) وكثرة عمق الخندق .
وقد نظم شعراء الفريقين تلك الوقعة العظمى والغزوة الكبرى ، فضلا عمّا ذكره
المؤرّخون ( * ) والمحدّثون فراجع مظانّها يتّضح لك ما ذكرنا : من كونه ( عليه السلام ) بعد النبيّ
هامش
* فقد ذكرها أبو كريب ومحمّد بن يحيى الأزدي في أماليهما [ 3 ] ومحمّد بن إسحاق والعمادي
في مغازيهما [ 4 ] والنطنزي والبلاذري في تاريخيهما [ 5 ] والثعلبي والواحدي في تفسيريهما [ 6 ] وأحمد
ابن حنبل وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما [ 7 ] وأحمد والسمعاني وأبو السعادات في فضائلهم [ 8 ]
وأبو نعيم في حليته [ 9 ] والأشنهي في اعتقاده [ 10 ] وأبو بكر البيهقي في دلائل النبوّة [ 11 ] والترمذي
في جامعه [ 12 ] وابن ماجة في سننه [ 13 ] وابن بطّة في إبانته من سبع عشرة طريقاً عن جماعة من
الصحابة [ 14 ] منهم : ابن عبّاس ، وابن عمر ، وسهل بن سعد ، وسلمة بن الأكوع ، وبريدة الأسلمي ،
وعمران بن الحصين ، وابن أبي ليلى ، وأبي سعيد الخدري ، وجابر الأنصاري ، وسعد بن
أبي وقّاص ، وأبي هريرة .
رواها أيضاً البخاري [ 15 ] ومسلم [ 16 ] والطبري [ 17 ] وغيرهم ، فضلا عمّا روته الإماميّة ( قدس سرهم ) في ذلك .
ومجمل الغزوة ولُبّ ما فصّلوا في ذلك : أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر المسلمين - وهم ألف وأربعمائة
مقاتل - أن يحاصروا حصون اليهود السبعة على ثمانية برد من المدينة ، وفيها أربعة عشر ألف من
اليهود ، وكانت قد اتّفقت مع حلفائها من غطفان - وهم أربعة آلاف فارس - على مهاجمة المدينة
وقتل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمسلمين ، فحاصرهم المسلمون في أوّل يوم من المحرّم سنة سبع من
الهجرة ، وطال الحصار بِضعاً وعشرين ليلة ، واليهود يرمونهم بالنبال والحجارة ، وكان عليٌّ ( عليه السلام )
قد أصابه رمد شديد ، منعه من الحرب ، وضاق على اليهود أمر الحصار ، وكانوا قد حفروا حول
الحصون خندقاً عظيماً ، إلى أن خرج منهم ذات يوم جمعٌ يتعرّضون للحرب ، يقدّمهم بَطَلُهم
مرحب الخيبري - وكان رجلا غنيّاً ذا صولة شديدة ، ومهابة عظيمة كالجبل العظيم ، طويل القامة ،
عظيم الهامة - فخرج من الحصن ، وعبر الخندق بمن معه من الأبطال والشجعان ، معجباً بنفسه ،
متبختراً في مشيته ، وقد تترّس على رأسه بحجرين عظيمين ، قد ثقبهما مثل البيضة ، حيث
لم يوجد له بيضة تَسَع رأسه لعظمه ، وجعل يهدر كما يهدر البعير ، وكان يعدّ بألف فارس ، ولا يثبت
له مبارز ، وعيناه كجمرتي نار يوقد منهما الشرر ، وصوته كالرعد القاصف ، وأخذ يرتجز بقوله :
قد علمت خيبر أنّي مرحب * شاكي السلاح بطلٌ مجرّب
ولمّا أبصره المسلمون أحجموا بأجمعهم عن جوابه ، وكادت أرواحهم أن تزهق من أبدانهم
خوفاً منه ووجلا ، وتتابعت أنفاسهم ، واهتزّت جوانحهم ، وانخلعت أفئدتهم بزئيره ، وهو يطلب
النزال ، وينادي هل من مبارز ، وهو كالأسد الغضوب ، وأخذ المسلمون يلوذون بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
ويتترّسون به ، وهم بين باك وجازع . إلى أن دعا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أبا بكر وعقد له اللواء ، وبعثه إلى النزال في
جمع من وجوه المهاجرين ، ولمّا خرج الرجل بمن معه ، وأبصر مرحباً وصولته امتلأ خوفاً
وفزعاً ، وجعل يجبن أصحابه ، إلى أن ولّى بهم مدبرين منهزمين ، من غير حرب ولا نزال ، ولمّا
رجعوا غضب عليهم النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يؤنّب بعضهم بعضاً ، ويذمّون قائدهم ويلومونه . ثمّ دعا
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عمر بن الخطّاب وناوله الراية ، وأرسله إلى النزال بعد أن أكّد عليه بالثبات وعدم
الفرار ، فسار في جمع من المسلمين ، ولم يكن بأسرع من أن تبع صاحبه في الهزيمة ، من غير
حرب ولا وقيعة . واستشاط النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليهما غضباً ، وقال : " ما بال أقوام يجبنون أصحابهم ،
ويرجعون منهزمين ، أما إنّه ليست هذه الراية لمن حملها ، أما لأُعطينّ الراية غداً رجلا يحبّ الله
ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، لا يرجع حتّى يفتح الله على يده " ثمّ انصرف
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى محلّه ، ورجع اليهود إلى منازلهم ، وبات المسلمون ليلتهم يدوكون بجملتهم أيّهم
يعطى الراية غداً ، وتطاولوا بأجمعهم طمعاً في حمل الراية ، وهم يقولون : أمّا عليّ فقد كفيتموه
برمده ، وأنّه لا يبصر سهلا ولا جبلا ، ولا يرى موضع قدمه ، وأقبل ابن الخطّاب يقول : ما أحببت
الإمارة حتّى سمعت وعد النبيّ في دفعه الراية لرجل يكون كذا .
ولمّا أصبح الصباح تبادروا إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وتطاولت أعناقهم ينظرون إلى عينيه ، يؤمّل
كلّ منهم أن يعطاها ، فقام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بينهم يدير طرفه يميناً وشمالا ، ثمّ نادى : " أين عليّ بن
أبي طالب ؟ " قالوا : أرمد معصَّب العينين ، قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " هاتوه إليَّ " فأتوا به يقودونه ، فتلقّاه
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مستبشراً به ، وضمّه إلى صدره ، ثمّ فتح عينيه وبصق فيهما من ريقه الشريف ، فلم
يكن بأسرع من أن برئت عيناه كأن لم يصبه شيء .
ثمّ ناوله الراية وعمّمه وألبسه بيده الشريفة ثيابه ، ودعا له ، وأمره بالمسير إلى النزال ،
فأسرع عليّ ( عليه السلام ) في السير نحو الحصون وحده ، مُهَروِلا راكضاً ، حتّى انتهى إليها ، ورمقته اليهود ،
فنزل جمع من فرسانهم وأبطالهم للحرب والنزال ، يقدّمهم أشجعهم مرحب كالجبل المهول ، وهو
يرتجز بقوله :
قد علمت خيبر أنّي مرحب . . . الخ
فتقدّم إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهو يرتجز بقوله :
أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدره * ضرغام آجام ، وليث قسوره
عبل [ 18 ] الذراعين شديد القَصَره [ 19 ] * كليث غابات كريه المنظره
أكيلُكم بالسيف كيلَ السندَره * أضربُكم ضرباً يُبين الفِقَره
وأترُك القرنَ بقاع جزره * أضربُ بالسيف رقابَ الكفرة [ 20 ]
إلى آخر أبياته ورجزه .
ثمّ حمل ( عليه السلام ) على مرحب بعد أن عرض عليه الإسلام أو الجزية ، وامتنع اللعين عن كليهما ،
فهجم عليه كالأسد الباسل ، أو الليث الغضوب ، وضربه بالسيف على أُمّ رأسه ضربةً أدهش بها
الفريقين ، وصكّ برنّتها أسماع العسكرين ، وبَرِقت منها برقة أضاءت النيّرين ، فَقدّ بها ما على
رأس مرحب من المغفر والحجرين ، وشقّ كلاّ منها نصفين ، حتّى نزل السيف إلى رأسه ، ثمّ إلى
أضراسه ، وصرّته إلى دبره ، وشطر كلاّ منها شطرين كاملين ، سقطا يميناً وشمالا على الأرض
كقطعتي جبل عظيم . فصرخ أصحابه ، وولّوا منهزمين نحو الحصون ، ينادون : قُتل مرحب قُتل
مرحب . ورفع المسلمون أصواتهم بالتكبير ، معجبين بصولة عليّ ( عليه السلام ) مدهوشين من قدرته
وشجاعته ، وأنشد فيه شعراؤهم ، وفيهم حسّان بن ثابت ، فأنشأ يقول :
وكان عليٌّ أرمدَ العينِ يبتغي * دواءً فلمّا لم يحسَّ مداويا
شفاهُ رسول الله منه بتفلة * فبوركَ مرقيّاً وبورك راقيا
وقال : سأُعطي الراية اليوم صارماً * كَمِيّاً مُحبّاً للرسولِ مواليا
يحبُّ إلهي والإله يُحبُّه * به يفتحُ اللهُ الحصونَ الأوابيا
فخصَّ بها دون البريّة كلّها * عليّاً وسمّاه الوزيرَ المؤاخيا [ 21 ]
وقال في ذلك أيضاً ابن أبي الحديد الشافعي :
ألم تخبر الأخبارَ في فتح خيبر * ففيها لذي اللُبّ المُلبّ أعاجيب
وفوزُ عليّ بالعُلى فوزُها به * فكلٌّ إلى كلٍّ مضافُ ومنسوب
إلى أن قال :
وما أنسَ لا أنسَ اللذَين تقدّما * وفرّهما والفَرُّ قد علما حُوبُ
وللراية العظمى وقد ذهبا بها * ملابسُ ذُلّ فوقَها وجَلابيبُ
إلى قوله :
عذرتكما أنّ الحِمام لمبغَضٌ * وأنّ بقاء النفس للنفس محبوبُ
دعا قَصبَ العَلياء يمِلكُها امرؤٌ * بغير أفاعيل الدناءة مقضوبُ
يرى أنّ طولَ الحرب والبُؤس راحةٌ * وأنّ دوام السِلم والخَفضِ تعذيبُ
جوادٌ على ظهر الجواد وأخشبٌ * تزَلزَلَ منه في النِزالِ الأخاشيبُ [ 22 ]
تجلّى لك الجبّار في ملكوته * وللحتفِ تصعيدٌ إليك وتصويبُ
وللشمس عينٌ عن عُلاك كليلةٌ * وللدهر قلبٌ خافقٌ عنك مرعوبُ
إلى قوله :
وأصلَتَ [ 23 ] فيها مرحبُ القوم مِقبضاً [ 24 ] * جرازاً به حبلُ الأمانيّ مقضوبُ
فأشربهُ كأس المنيّةِ أحوَسٌ [ 25 ] * من الدم طِعّيمٌ وللدم شرّيبٌ
لذاتك تقديس لِرَمسكَ طُهرَةُ * لوجهِك تعظيمٌ لمَجدِكَ ترحيبُ
تقيّلتَ أفعالَ الربوبيّة الّتي * عذرتُ بها من شكّ أنّك مَربوبُ
وقد قيل في عيسى نظيرك مثله * فخسرٌ لمن عادى عُلاكَ وتتبيبُ
عَليكَ سلامُ الله يا خيرَ من مشى * به بازلٌ عبرُ المهامة خُرعُوبُ [ 26 ]
ويا عِلّة الدنيا ومِن بَدو خلقها * له وسيتلو البدو في الحشر تعقيب [ 27 ]
إلى آخره .
ثمّ لمّا انهزم أصحاب مرحب إلى حصونهم ردّوا باب الحصن المحيط وأغلقوه ، ثمّ صعدوا
أعلى القموص يرمون عليّاً بالحجارة والسهام ، فثنّى ( عليه السلام ) رجله ووثب كالغزال وعبر كالطير فوق
الخندق من جانب البرّ إلى جانب الحصن ، وكان بابه قطعة حجر منقور في صخر
كأكبر حجر رحى ، لا يفتحه ولا يسدّه عند الحاجة إلاّ أربعون رجلا قويّاً ، وفي وسطه ثقب خفيف ،
فدنا منه عليّ ( عليه السلام ) ورمى القوس من يده ومدّ إصبعيه من اليد اليسرى وأدخلهما في الثقب ، وشدّ
بقوّة ملكوتيّة حتّى قلع الباب من أصله بعدما هزّه ، ورجّت الحصون السبع كلّها بهزّه ، فارتفعت
أصوات اليهود بالزعقات والعجيج ، وهم بين صارخ ومدهوش وباك ومجروح ، بسقوطهم من
أعالي الأماكن والقصور ، وإحداهم صفيّة بنت حيّ بن أخطب رئيس اليهود الّتي أسلمت بعد
السبي ، وتزوّج بها النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإنّها سقطت من علا سريرها بتلك الهزّة وشجّ جبينها [ 28 ] وقد أشار
ابن أبي الحديد الشافعي إلى تلك الوقعة مخاطباً له ( عليه السلام ) بقوله في قصيدته العينية :
يا قالع الباب الّذي عن هزّه * عجزت أكفٌّ أربعون وأربعُ
لولا حدُوثك قلتُ إنّك جاعل * الأرواح في الأشباح والمتنزّعُ
لي فيك معتقدٌ سأكشف سِرّه * فليَصْغِ أربابُ النُهى وليسمعوا
والله لولا حيدر ما كانتِ * الدنيا ولا جمع البريّة مجمعُ
بل أنت في يوم القيامة حاكمٌ * بين الأنام وشافعٌ ومشفَّعٌ [ 29 ]
إلى آخره .
وبالجملة ، بعد ما ضاق الفضاء من صريخ اليهود ، دخل عليّ ( عليه السلام ) مدينتهم ، وقد تترّس بحجر
الباب ، وقد رفعه بيده اليسرى فوق رأسه ، وهجم على جموعهم بيمناه كالليث الغضوب ، وهم قد
حملوا عليه ( عليه السلام ) بأجمعهم ، رجالهم ونساؤهم ، صغيرهم وكبيرهم ، حملة رجل واحد ، رمياً
بالسهام والنيران ، وقذفاً بالأخشاب والأحجار ، وهو يحمل مرّةً عن يمينه ويرتجز بقوله ( عليه السلام ) :
أنا عليّ وابن عبد المطّلب * مهذّبٌ ذو سطوة وذو غضب
قرن إذا لاقيت قرناً لم أهب * أخو النبيّ المصطفى والمنتجب
رسول ربّ العالمين قد غلب * بيّنه ربّ السماء في الكتب
إلى قوله ( عليه السلام ) :
من بيت عزّ ليس فيه منشعب * وفي يميني صارم يجلو الكرب
من يلقني يلق المنايا والعطب * إذ كفّ مثلي بالرؤوس يلتعب
أحمي ذماري وأذبّ عن حسب * والموت خير للفتى من الهرب
ثمّ يحمل ثانية عن يساره وهو يرتجز بقوله ( عليه السلام ) :
أنا عليّ البطل المظفّر * غشمشم القلب بذاك أُذكر
وفي يميني للقاء أخضر * يلمع من حافة برق يزهر
للضرب والطعن الشديد محضر * مع النبيّ الطاهر المطهّر
اختاره الله العليّ الأكبر * اليوم يرضيه ويخزي عنتر
ثمّ يهجم عليهم ثالثة مرتجزاً بقوله ( عليه السلام ) :
أنا عليّ هازم العساكر * أنا الّذي أضربكم وناصري
إله حقّ وله مهاجري * أضربكم بالسيف في المصاغر
مع ابن عمّي والسراج الزاهر * حتّى تدينوا للعليّ القاهر
ضرب غلام صارم مماهر * ينصرني ربّي خير ناصر
آمنت بالله بقلب شاكر * أضرب بالسيف على المغافر
ثمّ يحمل عليهم رابعة وهو يقول :
ستشهد لي بالكرّ والطعن راية * حباني بها الطهر النبيّ المهذّب
وتعلم أنّي في الحروب إذا التظت * بنيرانها الليث الهموس المجرّب
ومثلي لاقى الهول في مُفظعاته * وفلّ له الجيش الخميس العطبطب
وقد علم الأحياء أنّي زعيمها * وأنّي لدى الحرب العذيق المرجّب [ 30 ] *
إلى أن قتل منهم مقتلةً عظيمةً لم يلق منهم فارساً إلاّ طحنه ، ولا بطلا إلاّ ردمه ، ولم يزل يفتح
الحصون واحداً بعد واحد بنفسه المقدّسة وحده ، إلى أن سخّرها بأجمعها ، ورجع خارجاً منها ،
فتلقّاه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وضمّه إلى صدره ، وقبّله مستبشراً به ، وبشّره برضا الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
عنه ، فبكي ( عليه السلام ) فرحاً بذلك . ثمّ وقف في الخندق ، حاملا للحجر فوق رأسه كالجسر بين حافتي
الخندق ، حتّى عبر عليه كافّة المسلمين بأحمالهم ودوابّهم عليه ، من جانب البرّ إلى جانب
الحصون ، ثمّ رمى الحجر بيسراه إلى الخلف ، فطار الحجر في الجوّ فوق رؤوس العساكر ،
ووقع ورائهم بعيداً عنهم ، مسافة أربعين ذراعاً ، وبعد ذلك اجتمع عليه سبعون نسَمة من الأشدّاء
ليحرّكوه ، فلم يقدروا عليه ، وأنشأ بعضهم في ذلك :
إن امرءاً حمل الرتاج [ 31 ] بخيبر * يوم اليهود بقدرة لمؤيّد
حمل الرتاج رتاج باب قموصها [ 32 ] * والمسلمون وأهل خيبر حُشّد
فرمى به ولقد تكلّف رَدَّهُ * سبعون شخصاً كلّهم متشدِّد
ردّوه بعد تكلّف ومشقّة * ومقالِ بعضِهم لبعض أُرددوا [ 33 ]
وقال الآخر منهم :
بَعَثَ النبيُّ براية منصورة * عمر بن حنتمةَ الدُلام الأدلما [ 34 ]
فمضى بها حتّى إذا بَرزوا له * دون القموص ثنى وهابَ وأحجَما
وأتى النبيّ براية مردودة * هلاّ تَخوَّفَ عارَها فتذمَّما
فبكى النبيُّ لها وأنّبَهُ بها * ودعا امرءاً حسنَ البصيرة مُقدِما
فغدا بها في فَيلق ودعا له * ألاّ يَصُدّ بها وألاّ يُهزَما
فزوى اليهودَ إلى القموص وقد كَسا * كَبشَ الكتيبة ذا غرار [ 35 ] مُخذِما [ 36 ] [ 37 ]
وقال الشيخ الأُزري ( قدس سره ) في ذلك :
وله يوم خيبر فتكاتُ * كبرت مَنظَراً على من رَءاها
يوم قال النبيّ إنّي لأُعطي * رايتي ليثها وحامي حماها
فاستطالت أعناق كلّ فريق * ليَرَوا أيّ ماجد يعطاها
فدعا أين وارث العلم والحلم * مجير الأنام من بأساها
أين ذو النجدة الّذي لو دعته * في الثريّا مروعة لبّاها
فأتاه الوصيّ أرمد عين * فسقاها من ريقه وشفاها
ومضى يطلب الصفوف فولّت * عنه علماً بأنّه أمضاها
وبرى مَرحباً بكفّ اقتدار * أقوياء الأقدار من ضعفاها
ورمى بابها بقوّة بأس * لو حَمتها الأفلاك منه رماها
( 1 ) المناقب ( لابن شهرآشوب ) 2 : 294 في نواقض العادات منه ، وحلية الأبرار ( البحراني ) 2 : 170 .
( 2 ) انظر الصراط المستقيم ( الآملي ) 2 : 6 ، وفيه : عن بعض الصحابة ، بحار الأنوار 41 : 280 .
[ 3 ] حكاه عنهما ابن شهرآشوب في المناقب 3 : 127 .
[ 4 ] انظر المناقب ( لابن شهرآشوب ) 3 : 127 في مقامه ( عليه السلام ) في غزاة خيبر .
[ 5 ] حكاه عن النطنزي في المناقب ( لابن شهرآشوب ) 3 : 127 ، أنساب الأشراف 6 : 355 .
[ 6 ] تفسير الثعلبي 8 : 15 ، حكاه عن الواحدي ابن شهرآشوب في المناقب 3 : 127 .
[ 7 ] مسند أحمد 1 : 99 وج 4 : 52 وج 5 : 333 وص 358 ، مسند أبي يعلى 1 : 183 / 349 .
[ 8 ] فضائل الصحابة ( لأحمد ) 604 / 1034 ، وحكاه عن السمعاني وأبي السعادات ابن
شهرآشوب في المناقب 3 : 127 .
[ 9 ] حلية الأولياء 1 : 62 .
[ 10 و 11 و 14 ] حكاه عنهما ابن شهرآشوب في المناقب 3 : 127 في مقامه ( عليه السلام ) في غزاة خيبر .
[ 12 ] سنن الترمذي 5 : 301 / 3808 .
[ 13 ] سنن ابن ماجة 1 : 45 / 121 .
[ 15 ] صحيح البخاري 5 : 171 ، غزوة خيبر .
[ 16 ] صحيح مسلم 4 : 1871 / 2404 باب فضائل الصحابة .
[ 17 ] تاريخ الطبري 2 : 300 .
[ 18 ] العبل : الضخم من كلّ شيء .
[ 19 ] القصرة بالتحريك : أصل العنق .
[ 20 ] ديوان الإمام عليّ ( عليه السلام ) : 286 / 212 .
[ 21 ] والّذي يظهر للباحث أنّ حسّاناً أكمل أبياته في يوم الغدير قصيدةً ضمّنها نبذاً من مناقب
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فكلٌّ أخذ شطراً يناسب موضوعه . وروى بعض هذه الأبيات عن حسّان
بن ثابت الحافظ الگنجي الشافعي في كفايته : 64 الباب الأوّل ، وابن الصبّاغ المالكي في
الفصول المهمّة : 38 ، ولتسهيل الخطب انظر الغدير ( الأميني ) 2 : 34 فما بعد ، وشعراء الغدير 1 :
48 و 49 .
[ 22 ] الأخاشيب : الجبال .
[ 23 ] أصلَتَ : سلّ .
[ 24 ] القضب : السيف القاطع وكذا الجراز ، المقضوب : المقطوع .
[ 25 ] الأحوس : الّذي لا يهوله شيء ، والمراد به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
[ 26 ] الخرعوب : الطويل الحسن الخلق .
[ 27 ] القصائد السبع العلويات ( مع شرح للسيّد محمّد صاحب المدارك ) : القصيدة الأُولى وأشار
إليه في شرح نهج البلاغة 8 : 289 .
[ 28 ] الخرائج والجرائح 1 : 159 / 249 ، بحار الأنوار 21 : 28 .
[ 29 ] القصائد السبع العلويّات ( مع شرحها للسيّد محمّد صاحب المدارك ) : القصيدة السادسة .
[ 30 ] ديوان الإمام عليّ ( عليه السلام ) : 114 / 63 .
[ 31 ] الرتاج : الباب العظيم ، لسان العرب 2 : 279 ( رتج ) .
[ 32 ] القموص : جبل بخيبر عليه حصن أبي الحقيق اليهودي ( معجم البلدان 4 : 398 ) .
[ 33 ] الإرشاد ( للمفيد ) 1 : 129 .
[ 34 ] الدلمة : اللون الأسود ، الصحاح 5 : 1920 ( دلم ) .
[ 35 ] الغرار : حدُّ السيف والرمح والسهم ، لسان العرب 5 : 16 ( غرر ) .
[ 36 ] المخذم : السيف القاطع ، الصحاح 5 : 1910 ( خذم ) .
[ 37 ] انظر الإرشاد ( للمفيد ) 1 : 130 ، نهج الإيمان ( لابن جبر ) : 325 .