فما ترى الأمر الّذي لو أهمله * أهمل ما به الإله أرسله
وأيّ أمر يقتضي التأكيدا * فيه بما يشابه التهديدا
شرح
ارتداد الأُمّة ومعارضتهم له ، وتسكين رعبه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من ذلك بوعد عصمته بقوله
سبحانه : ( والله يعصمك من الناس ) ( 1 ) .
وعليه « فما ترى الأمر » الخطير « الّذي لو أهمله » ولم يبلّغه ، لكان « أهمل »
كلّ « ما به الإله أرسله » وبطل جميع ما كَدَحه وبلّغه من الفروض والسنن والأخلاق ،
وذهب كلّ ما تَعِبه في سبيل الدين ورفع لواء المسلمين من الحروب والغزوات ،
واحتماله المكاره لقاء التعليمات بأجمعها سُدى ، وصارت كلّها هباءً منثوراً .
فأنصف واحكم أيّها المنصف أيّ حكم من أحكام الشرع المقدّس كان بتلك
المرتبة من العظمة والأهمّية ؟ بحيث أُنيط إبلاغ غيره من الأحكام كلّها - أُصولها
وفروعها وأخلاقها وآدابها - بإبلاغه ؟ ومعنى ذلك أنّه لا ينفع شيء منها أصلا مع
فقده ، فهو أساسٌ لجميعها حتّى الأُصول الاعتقاديّة منها ، فضلا عن الفروع العمليّة ،
فرائضها ، وسننها . وأيّ شيء كان قد بقي عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى يومه ذلك - وهو من أيّام
أواخر عمره الشريف - فلم يبلّغه حتّى احتاج في إبلاغه إلى وحي جديد وأمر
وتشديد ؟
« وأيّ أمر » من شؤون رسالته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان « يقتضي التأكيدا » الشديد « فيه »
بعد تجافيه عن إبلاغه أوّلا وثانياً ، حذراً من المنافقين من صحابته ، وإفسادهم
الأمر عليه ، إلى أن نزل عليه الأمر الإلزامي بسرعة الإبلاغ من غير تأجيل
ولا مهلة « بما يشابه التهديدا » لتلك الذات المقدّسة المنقادة لأوامر ربّه تعالى ،
المبادرة إلى طاعته والساعية في طلب رضاه والسابقة على غيرها في إجابة
دعوة مولاه ، غير مكترث باحتمال المكاره الشديدة في سبيل ذلك ، ولا مبال بلوم
هامش
( 1 ) المائدة : 67 .