شرح
فإنّها لمّا أتت بأُولئك الأطهار شهوداً لها ، ومعهم أُمّ أيمن جرحهم الخليفة الثاني ،
بقوله : أمّا عليّ فيجرّ النار إلى قرصه ، وأمّا الحسنان فصغيران لا تقبل شهادتهما ،
وأمّا أُمّ أيمن فإنّها امرأة - هذا . وقد روى المؤالف والمخالف : أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شهد
لأُمّ أيمن أنّها من نساء الجنّة - فغضبت الصدّيقة ( عليها السلام ) عليهما ( * ) واختنقت بعبرتها ،
وخرجت من عندهما ملتهبة ، وحلفت أن لا تكلّمهما مدّة حياتها .
هامش
* روى أخطب خوارزم ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " يا عليّ إنّ الله زوّجك فاطمة ، وجعل
صداقها الأرض ، فمن مشى عليها مبغضاً لها مشى حراماً " [ 1 ] .
وروى المؤرّخون أنّ المأمون جمع ألف نفس من الفقهاء يتناظرون في أمر فدك ، إلى أن اتفقت
كلمتهم على كونها ملكاً لفاطمة ، تردّ على ورثتها من ولدها العلويّين ، فردّها المأمون عليهم [ 2 ] .
وقال أبو هلال العسكري : إنّ أوّل من ردّ فدك على العلويّين هو عمر بن عبد العزيز ، وكان
معاوية أقطعها لمروان بن الحكم وعمر بن عثمان ولابنه يزيد أثلاثاً . ثمّ بعد عمر بن عبد العزيز
غُصبت حتّى ردّها السفّاح على العلويّين ، ثمّ غصبت ثانياً بعده حتّى ردّها عليهم المهديّ
العبّاسي ، ثمّ غصبت ثالثاً بعدها فردّها المأمون عليهم ، ثمّ غُصبت رابعة حتّى ردّها عليهم الواثق ،
ثمّ غصبت خامسة حتّى ردّها عليهم المستنصر المعتمد ، ثمّ غصبت سادسة حتّى ردّها عليهم
المعتضد ، ثمّ غصبت سابعة حتّى ردّها عليهم الراضي [ 3 ] . . . الخ .
وهي على ما ذكره أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة ، عن محمّد بن
إسحاق أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا فرغ من غزوة خيبر ، وقذف الله الرعب في قلوب اليهود من أهل
فدك - وهي قرية من قرى خيبر - بعثوا إلى رسول الله ، وصالحوه على النصف من فدك ؛ حفظاً
لأعراضهم وأموالهم ودمائهم ، فقبل النبيّ وصالحهم على ذلك ، وكانت له خاصّة دون المسلمين ؛
لأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب .
ولمّا انصرف النبيّ إلى المدينة نزل عليه جبرائيل بهذه الآية : ( وءَاتِ ذا القربى حقّه ) [ 4 ]
فسأله النبيّ : " من القربى ؟ وما الحقّ ؟ " قال جبرئيل : " القربى فاطمة ، فأعطها فدكاً " فدعا
رسول الله فاطمة ونحلها فدكاً ، ووهبها إيّاها ، وكتب كتاباً بذلك ، وأشهد على ذلك عليّاً وأُمّ أيمن .
ولمّا توفّي رسول الله اجتمعت آراء القوم على انتزاعها من فاطمة ، فأخرجوا عُمّالها عن
الأرض ، وأخذوها منها .
ولمّا بلغها الخبر بذلك ، لاثت [ 5 ] بخمارها ، وأقبلت في لُمة [ 6 ] من حفدتها ونساء قومها ، تطأ
في ذيولها ، ما تخرم مِشيتها مِشية أبيها رسول الله ، حتّى دخلت على أبي بكر وقد حشد به الناس
من المهاجرين والأنصار ، فضرب بينها وبينهم ريطة قبطيّة بيضاء . ثمّ أنّت أنَّةً أجهش [ 7 ] لها القوم
بالبكاء ، ولم يُرَ في الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ ، فأمهلت طويلا حتّى سكنت من الجموع
فورتهم ثمّ خطبت برفيع صوتها خطبة صكّت بها الأسماع ، وأدمعت منها العيون ، فقالت : أبتدء
بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد . فعاد القوم في بكائهم ثمّ أمهلت هنيئةً حتّى إذا سكن
نشيج القوم عادت في كلامها ، وقالت :
الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر على ما ألهم ، والثناء بما قدّم ، من عموم نِعَم ابتدأها ،
وسبوغ آلاء [ 8 ] أسداها ، وتمام منن والاها ، جمّ [ 9 ] عن الإحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء أمدها ،
وتفاوت عن الإدراك أبدها ، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها ، واستحمد إلى الخلائق
بإجزالها ، وثنى بالندب إلى أمثالها .
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمن القلوب
موصولها ، وأنار في الفكر معقولها ، الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيّته .
ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء [ أمثلة ] [ 10 ] امتثلها ، كوّنها بقدرته ،
وذرأها بمشيّته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلاّ تثبيتاً لحكمته ،
وتنبيهاً على طاعته ، وإظهاراً لقدرته ، وتعبُّداً لبريّته ، وإعزازاً لدعوته ، ثمّ جعل الثواب على
طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ؛ ذيادةً [ 11 ] لعباده عن نقمته وحياشةً منه إلى جنّته .
وأشهد أنّ أبي محمّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عبده ورسوله ، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله ، وسمّاه قبل أن
اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية
العدم مقرونة ، عِلماً من الله تعالى بمآيل الأُمور ، وإحاطةً بحوادث الدهور ، ومعرفةً بمواقع المقدور ،
ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره ، وعزيمةً على إمضاء حِكَمه ، وإنفاذاً لمقادير حِتَمه ، فرأى الأُمم فِرَقاً
في أديانها ، عكّفاً على نيرانها ، عابدةً لأوثانها ، منكرةً لله مع عرفانها ، فأنار الله بمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم )
ظُلمَها ، وكشف عن القلوب بهمها ، وجلّى عن الأبصار غممها ، وقام في الناس بالهداية ، وأنقذهم
من الغواية ، وبصّرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم .
ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار ، فمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تَعَبِ هذه الدار في
راحة ، قد حفّ بالملائكة الأبرار ورضوان الربّ الغفّار ومجاورة الملك الجبّار ، صلّى الله على أبي :
نبيّه وأمينه على الوحي وصفيّه وخيرته من الخلق ورضيّه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته .
ثمّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت أنتم عباد الله نَصب [ 12 ] أمره ونهيه ، وحملة دينه ووحيه ،
وأُمناء الله على أنفسكم ، وبلغاؤه إلى الأُمم ، وزعمتم حقّ لكم لله .
فيكم عهد قدّمه إليكم ، وبقيّة استخلفها عليكم : كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور
الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنة بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلّية ظواهره ، مغتبطة به أشياعه ، قائد
إلى الرضوان أتباعه ، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنوّرة ، وعزائمه المفسّرة ، ومحارمه
المحذّرة ، وبيّناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورُخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة .
فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً عن الكبر ، والزكاة تزكيةً للنفس
ونماءً في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحجّ تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ،
وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للإسلام ، والصبر معونةً على
استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف مصلحةً للعامّة ، وبِرّ الوالدين وقايةً من السخط ، وصلة
الأرحام منماةً للعدد ، والقصاص حِقناً للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكائيل
والموازين تغييراً للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً
عن اللعنة ، وترك السرقة إيجاباً للعفّة ، وحرّم الله الشرب إخلاصاً له بالربوبيّة ف ( اتّقوا الله حقّ
تُقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ) [ 13 ] وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فإنّه : ( إنّما يخشى
اللهَ من عباده العلماء ) [ 14 ] .
ثمّ قالت : أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة ، وأبي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أقول عوداً وبدواً ، ولا أقول ما
أقول غلطاً ، ولا أفعل ما أفعل شططاً ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [ 15 ] فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمّي
دون رجالكم ، ولنعم المعزي إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فبلّغ الرسالة ، صادعاً [ 16 ] بالنذارة [ 17 ] مائلا عن مدرجة
المشركين ، ضارباً ثبجهم [ 18 ] ، آخذاً بأكظامهم ، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ،
يكسر الأصنام ، وينكث الهامَ ، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، حتّى تفرّى الليل عن صبحه ،
وأسفر الحقّ عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وطاح وشيظ النفاق ،
وانحلّت عقد الكفر والشقاقَ وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص ( وكنتم على
شفا حفرة من النار ) [ 19 ] مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون
الطرق ، وتقتاتون الورق ، أذلّة خاسئين ( تخافون أن يتخطّفكم الناس ) [ 20 ] من حولكم .
فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد اللّتيا والّتي ، وبعد أن مُني ببهم [ 21 ] الرجال
وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ( كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ) [ 22 ] أو نجم قرن
الشيطان ، وفغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتّى يطأ جناحها
بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سيّد
أولياء الله ، مشمّراً ناصحاً ، مجدّاً كادحاً ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ،
تتربّصون بنا الدوائر ، وتتوكّفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرّون عند القتال .
فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظَهَر فيكم حسيكة النفاق ، وسمل جلباب
الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فَنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ،
وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم [ 23 ] لدعوته مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين ،
ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير
شربكم . هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يُقبر ابتداراً زعمتم
خوف الفتنة ( ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ) [ 24 ] .
فهيهات منكم ! وكيف بكم ؟ وأنّى تؤفكون ؟ وكتاب الله بين أظهركم ، أُموره ظاهرة ، وأحكامه
زاهرة ، وأعلامه باهرة ، وزواجره لائحة ، وأوامره واضحة ، قد خلّفتموه وراء ظهوركم ، أرغبة عنه
تريدون ؟ أم بغيره تحكمون ؟ ( بئس للظالمين بدلا ) [ 25 ] ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل
منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [ 26 ] لم تلبثوا إلاّ ريث [ 27 ] أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها ، ثمّ
أخذتم تورون وَقْدَتها ، وتهيجون جَمْرَتها ، وتستجيبون لهتافِ الشيطان الغويّ ، وإطفاء أنوار
الدين الجليّ ، وإهماد سُنَنِ النبيّ الصفي ، تسرّون حسواً [ 28 ] في ارتغاء ، وتمشون لأهله وولده في
الخَمَر والضرّاء ، ونصبر منكم على مثل جزّ المدي ووَخْز السنان في الحشا ، وأنتم تزعمون أن
لا إرثَ لنا ( أفحكم الجاهليّة يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) [ 29 ] أفلا تعلمون ؟
بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية : أنّي ابنته .
أيّها المسلمون ، أأُغلب على إرثي ؟ يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث
أبي ؟ ( ولقد جئت شيئاً فريّاً ) [ 30 ] أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، إذ يقول :
( وورث سليمان داود ) [ 31 ] وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريّا إذ قال : ( فهب لي من لدنك
وليّاً * يرثني ويرث من آل يعقوب ) [ 32 ] وقال : ( وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
الله ) [ 33 ] وقال : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأُنثيين ) [ 34 ] وقال : ( إن ترك خيراً
الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين ) [ 35 ] وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث
من أبي ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أم هل تقولون : أهل ملّتين لا
يتوارثان ؟ أولستُ أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي
وابن عمّي ؟ فدونكما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحَكَم الله ، والزعيم محمّد ،
والموعد القيامة ، وعند الساعة ما تخسرون ، ولا ينفعكم إذ تندمون و ( لكلّ نبأ مستقرّ ) [ 37 ]
( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ) [ 37 ] .
ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار وقالت : يا معاشر الفتية ، وأعضاد الملّة ، وأنصار الإسلام ، ما
هذه الغَميزة في حقّي ، والسنة عن ظلامتي ، أما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أبي يقول : المرء يُحفظ في
ولده ، سرعان ما أحدثتم ! وعجلان ذا إهالة ! ولكم طاقة بما أُحاول ، وقوّة على ما أطلب وأُزاول ،
أتقولون : مات محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فخطبٌ جليل استوسع وهيه [ 38 ] واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت
الأرض لغيبته ، وكسفت [ 39 ] النجوم لمصيبته ، وأُكّدت الآمال ، وخشعت الجبال ، وأُضيع الحريم ،
وأُزيلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى ، لا مثلها نازلة ، ولا بائقة
عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم ، هتافاً وصراخاً ،
وتلاوة وألحاناً ، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله ، حكم فصل وقضاء حتم : ( وما محمّد إلاّ رسول
قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ
الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) [ 40 ] .
إيهاً بني قَيْلَة [ 41 ] أأُهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع ومنتدى ومجمع ؟ تلبسكم
الدعوة ، وتشملكم الخَبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجنّة ،
توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون
بالخير والصلاح ، والنجبة الّتي انتجبت ، والخيرة الّتي اختيرت ، قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ
والتعب ، وناطحتم الأُمم ، وكافحتم البهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت
بنا رحى الإسلام ، ودرّ حلب الأيّام ، وخضعت ثغرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران
الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى حرتم بعد البيان ، وأسررتم بعد
الإعلان ؟ ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ( ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا
بإخراج الرسول وهم بدءُوكم أوّل مرّة أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) [ 42 ] .
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض ، وخلوتم
بالدعة [ 43 ] ونجوتم من الضيق بالسعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم [ 44 ] الّذي تسوّغتم ( فإن
تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله لغنيّ حميد ) [ 45 ] .
ألا وقد قلتُ ما قلتُ على معرفة منّي بالخذلة الّتي خامرتكم ، والغدرة الّتي استشعرتها
قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القنا ، وبثّة [ 46 ] الصدر ، وتقدمة الحجّة ،
فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخُفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار الأبد ،
موصولة ب ( نار الله الموقدة * الّتي تطّلع على الأفئدة ) [ 47 ] فبعين الله ما تفعلون ( وسيعلم الّذين
ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ) [ 48 ] .
أنا ابنة ( نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) [ 49 ] ( اعملوا على مكانتكم إنّا عاملون ) [ 50 ]
و ( انتظروا إنّا منتظرون ) [ 51 ] .
فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان ، فقال : يابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لقد كان أبوك بالمؤمنين
عطوفاً كريماً ، رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً ، وعقاباً عظيماً ، فإن عزوناه وجدناه أباك
دون النساء ، وأخاً لبعلك دون الأخلاّء ، آثره على كلّ حميم ، وساعده على كلّ أمر جسيم ،
لا يحبّكم إلاّ كلّ سعيد ، ولا يبغضكم إلاّ كلّ شقيّ ، فأنتم عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الطيّبون ، والخيرة
المنتجبون ، على الخير أدلّتنا ، وإلى الجنّة مسالكنا ، وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء
صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقّك ، ولا مصدودة عن صدقك ، ووالله
ما عدوت رأي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا عملت إلاّ بإذنه ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّي أُشهد الله
وكفى به شهيداً أنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضّة
ولا داراً ولا عقاراً ، وإنّما نورث الكتب والحكمة والعلم والنبوّة ، وما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر
بعدنا أن يحكم فيه بحكمه " وقد جعلنا ما حاولته في الكراع [ 52 ] والسلاح يقاتل به المسلمون
ويجاهدون الكفّار ، ويجالدون المردة ثمّ الفجّار ، وذلك بإجماع من المسلمين ، لم أنفرد به وحدي ،
ولم أستبدّ بما كان الرأي فيه عندي ، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك ، لا نزوي [ 53 ] عنك ،
ولا ندّخر دونك ، وأنتِ سيّدة أُمّة أبيك ، والشجرة الطيّبة لبنيك ، لاندفع مالكِ من فضلكِ ، ولا يوضع
من فرعكِ وأصلكِ ، حكمكِ نافذ فيما ملكت يداي ، فهل ترين أن أُخالف في ذلك أباك ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
فردّت عليه الصدّيقة ( عليها السلام ) وقالت : سبحان الله ! ما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن كتاب الله صارفاً ،
ولا لأحكامه مخالفاً ، بل كان يتّبع أثره ، ويقفو سوره ، أفتجمعون إلى الغدر ؟ اعتلالا عليه
بالزور ، وهذا بعد وفاته شبيه بما بُغي له من الغوائل في حياته ، هذا كتاب الله حكماً وعدلا ،
وناطقاً فصلا ، يقول : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) [ 54 ] ( وورث سليمان داود ) [ 55 ] فبيّن
عزّوجلّ فيما وزّع عليه من الأقساط ، وشرّع من الفرائض والميراث ، وأباح من حظّ الذكران
والإناث ما أزاح به علّة المبطلين ، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين كلاّ ( بل سوّلت لكم
أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) [ 56 ] .
فقال أبو بكر : صدق الله ، وصدق رسوله ، وصدقت ابنته ، أنتِ معدن الحكمة ، وموطن الهدى
والرحمة ، وركن الدين ، وعين الحجّة ، لا أُبعد صوابَك ، ولا أُنكر خطابك ، هؤلاء المسلمون بيني وبينك ،
قلّدوني ما تقلّدت ، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت ، غير مكابر ولا مستبدٍّ ولا مستأثر ، وهم بذلك شهود .
فالتفتت فاطمة ( عليها السلام ) إلى الناس وقالت : معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل ، المغضية
على الفعل القبيح الخاسر ( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) [ 57 ] كلاّ بل ران على
قُلوبكم ، ما أسأتم من أعمالكم ، فأخذ بسمعكم وأبصاركم ، ولبئس ما تأوّلتم ، وساء ما به أسرتم ،
وشرّ ما منه اعتضتم ، لتجدنّ والله محمله ثقيلا ، وغيّه وبيلا ، إذا كشف لكم الغطاء ، وبان ما وراء
الضرّاء ، وبدا لكم من ربّكم ما لم تكونوا تحتسبون ( وخسر هنالك المبطلون ) [ 58 ] .
ثمّ عطفت على قبر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالت :
قد كان بعدك أنباء وهنبثةٌ [ 59 ] * لو كنت شاهدها لم تكثر الخَطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها [ 60 ] * واختلّ قومك فاشهدهم وقد نكبوا
وكلّ أهل له قربى ومنزلة * عند الإله على الأدنين مقترب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لمّا مضيت وحالت دونك التُرب
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا * لمّا فقدت وكلّ الأرض مغتصب
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به * عليك تنزل من ذي العزّة الكُتُب
وكان جبريل بالآيات يؤنسنا * وقد فقدت فكلّ الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا * لمّا مضيت وحالت دونك الكُثُب
إنّا رُزينا بما لم يُرزَ ذو شجن * من البريّة لا عجم ولا عرب
ثمّ انكفأت ( عليها السلام ) نحو بيتها - وكان عليّ ( عليه السلام ) يتوقّع رجوعها إليه ، ويتطّلع طلوعها عليه - ولمّا
استقرّت بها الدار ، قالت لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا بن أبي طالب : اشتملت شملة الجنين ، وقعدت
حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل ، فخانك ريش الأعزل ، هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحيلة أبي
وبلغة ابنيّ ، لقد أجهر في خصامي ، وألفيته ألدّ في كلامي ، حتّى حبستني قيلة نصرها ، والمهاجرة
وصلها ، وغضّت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع ولا مانع ، خرجت كاظمة ، وعدت راغمة ،
أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك ، افترست الذئاب ، وافترشت التراب ، ما كففت قائلا ، ولا أغنيت
باطلا ، ولا خيار لي ، ليتني متُّ قبل هنيئتي ودون ذلّتي ، عذيري الله منك عادياً ومنك حامياً ،
ويلاي في كلّ شارق ! مات العمد ووهن العضد ، شكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربّي ، اللّهمّ أنت
أشدّ قوّة وحولا ، وأحدّ بأساً وتنكيلا .
فقال لها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا ويل عليك ، الويل لشانئك ، نهنهي [ 61 ] عن وجدك [ 62 ] يابنة الصفوة ،
وبقيّة النبوّة ، فما ونيت عن ديني ، ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنتِ تريدين البلغة ، فرزقكِ مضمون
وكفيلك مأمون ، وما أُعدّ لكِ أفضل ممّا قطع عنك ، فاحتسبي الله فقالت حسبي الله ، وأمسكت .
أقول : هذه الخطبة من الخُطب المشهورة الّتي روتها الخاصّة والعامّة بأسانيد متظافرة ، مع
اختلافات يسيرة في بعض كلماتها ، فقد رواها ابن أبي الحديد في شرح النهج في كتاب عليّ ( عليه السلام )
إلى عثمان بن حنيف [ 63 ] . ورواها أيضاً عليّ بن عيسى الإربلي في كتابه كشف الغمّة [ 64 ] . وأشار
إليها المسعودي في مروج الذهب [ 65 ] . كلّه من كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز
الجوهري ، وهو عالم ، محدّث ، كثير الأدب ، ثقة ، ورِع ، أثنى عليه المحدّثون [ 66 ] ورووا عنه
مصنّفاته ، وهو قد رواها بطرق عديدة في نسخة قديمة قرئت عليه سنة 322 هجريّة ، ورواها
أيضاً السيّد المرتضى ( قدس سره ) بإسناده عن عروة عن عائشة [ 67 ] . وروى بعض فقراتها الصدوق ( قدس سره ) في
علل الشرائع بأسانيد عديدة [ 68 ] . ورواها أيضاً جمعٌ آخر بأسانيد مختلفة [ 69 ] فلا شبهة في
صدورها من بيت الوحي . وأنّ الشيخ المفيد ( قدس سره ) روى أبياتها [ 70 ] . والسيّد بن طاووس ( قدس سره ) روى في
كتاب الطرائف موضع الشكوى منها بسنده من العامّة عن ابن مردويه [ 71 ] وهو الحافظ الثقة
عندهم . ورواها الطبرسي ( قدس سره ) في كتاب الاحتجاج [ 72 ] . . . إلى غير ذلك من رواتها .
[ 1 ] المناقب : 328 / 345 .
[ 2 ] تاريخ اليعقوبي 2 : 469 ، معجم البلدان 4 : 240 ، نهج الحقّ وكشف الصدق : 357 .
[ 3 ] الأوائل : 188 .
[ 4 ] الإسراء : 26 .
[ 5 ] لاث به الناس ، أي : اجتمعوا حوله ، النهاية ( لابن الأثير ) 4 : 275 .
[ 6 ] اللُمة - بضمّ اللام وتخفيف الميم - : الجماعة ، النهاية ( لابن الأثير ) 4 : 177 .
[ 7 ] الجهش : أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء ، الصحاح ( الجوهري ) 3 : 999 .
[ 8 ] السبوغ : الكمال . .
[ 9 ] جمّ الشيء : كثر .
[ 10 ] أضفناه من الاحتجاج .
[ 11 ] الذَود والذياد : الطرد والدفع والإبعاد : انظر المصباح المنير 1 : 211 ( ذود ) .
[ 12 ] النَصب - بالفتح والضمّ - العلم المنصوب ، لسان العرب 1 : 759 ( نصب ) .
[ 13 ] آل عمران : 102 .
[ 14 ] فاطر : 28 .
[ 15 ] التوبة : 128 .
[ 16 ] صدعت بالحقّ : إذا تكلّمت به جهاراً ، المصباح المنير 1 : 335 ( صدع ) .
[ 17 ] النذار - بالكسر - : الإنذار ، أقرب الموارد 2 : 1288 ( نذر ) .
[ 18 ] الثبج - بالتحريك - : وسط الشيء ومعظمه ، النهاية ( ابن الأثير ) 1 : 206 ( ثبج ) .
[ 19 ] آل عمران : 103 .
[ 20 ] الأنفال : 26 .
[ 21 ] البُهمة : الشجاع الّذي يَسْتبهم على أقرانه مَأْتاه ، جمعه : بُهَم ، أقرب الموارد 1 : 65 .
[ 22 ] المائدة : 64 .
[ 23 ] ألفاكم : وجدكم .
[ 24 ] التوبة : 49 .
[ 25 ] الكهف : 50 .
[ 26 ] آل عمران : 85 .
[ 27 ] ريث - بالفتح - : قدر ، ورَيثما : قدر ما . المصباح المنير 1 : 247 .
[ 28 ] الحَسو - بفتح الحاء وسكون السين المهملتين - : شرب المرق وغيره ، شيئاً بعد شيء .
[ 29 ] المائدة : 50 .
[ 30 ] مريم : 27 . .
[ 31 ] النمل : 16 .
[ 32 ] مريم : 5 - 6 .
[ 33 ] الأنفال : 75 . .
[ 34 ] النساء : 11 .
[ 35 ] البقرة : 180 .
[ 36 ] الأنعام : 67 . .
[ 37 ] الزمر : 39 - 40 .
[ 38 ] الوهي - كالرمي - الشقّ والرمي .
[ 39 ] في الاحتجاج 1 : 103 . كسفت الشمس والقمر وانتثرت . .
[ 40 ] آل عمران : 144 .
[ 41 ] بنو قيلة : الأوس والخزرج قبيلتا الأنصار .
[ 42 ] التوبة : 13 .
[ 43 ] الدعة : الراحة والسكون ، مجمع البحرين 4 : 203 ( خفض ) .
[ 44 ] دسع الرجل دسعاً : قاء ملءَ الفم ، ودسع بقيئه : رمى به . أقرب الموارد 1 : 333 .
[ 45 ] إبراهيم : 8 .
[ 46 ] البثّ : النشر والإظهار ، المصباح المنير 1 : 36 ( بثّ ) .
[ 47 ] الهمزة : 6 - 7 . .
[ 48 ] الشعراء : 227 . .
[ 49 ] سبأ : 46 .
[ 50 و 51 ] هود : 121 و 122 .
[ 52 ] الكراع - بضمّ الكاف - : جماعة الخيل ، النهاية ( ابن الأثير ) 4 : 165 ( كرع ) .
[ 53 ] لا نزوي : لا نقبض ولا نصرف ، انظر الصحاح 6 : 2369 ( زوا ) .
[ 54 ] مريم : 6 . .
[ 55 ] النمل : 16 .
[ 56 ] يوسف : 18 .
[ 57 ] محمّد : 24 .
[ 58 ] غافر : 78 .
[ 59 ] الهنبثة : واحدة الهنابث ، وهي الأُمور الشداد المختلفة ، النهاية ( ابن الأثير ) 5 : 278 ( هنبث ) .
[ 60 ] الوابل : المطر الشديد ، المصباح المنير 2 : ، 646 ( وبل ) .
[ 61 ] نَهْنَهْتُ الرجل عن الشيء فتنهنه ، أي : كففته وزجرته فكفّ ، الصحاح 6 : 2254 ( نهه ) .
[ 62 ] الوجد من الحُزن والمُوْجِدة من الغضب ، انظر كتاب العين 6 : 169 ( وجد ) .
[ 63 ] شرح نهج البلاغة 16 : 211 . .
[ 64 ] كشف الغمّة 1 : 480 .
[ 65 ] مروج الذهب 2 : 304 .
[ 66 ] انظر شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 16 : 210 .
[ 67 ] الشافي 4 : 69 - 72 .
[ 68 ] لم نعثر بهذا النصّ ولكن انظر علل الشرائع 1 : 154 / باب 124 .
[ 69 ] كما في تفسير القمّي 2 : 155 ، أمالي الطوسي : 694 ، بحار الأنوار 29 : 232 .
[ 70 ] أمالي المفيد ( مصنّفات الشيخ المفيد 13 : 41 ) .
[ 71 ] الطرائف : 248 .
[ 72 ] الاحتجاج 1 : 98 - 108 .