شرح
وأحال الناس في سُوقهم ومعاملاتهم إلى أنفسهم ، فباب المعاملات مفتوح على مصراعيه ،
وكان ذلك على خلاف باب العبادات وهي توقيفية محضة وتعبدية صرفه . ويكفيك في
هذا المقام خبر عبد اللّه بن سنان قال : " قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : ستصيبكم شبهة فتبقون بلا
عَلَم يُرى ولا إمام هدى ، لا ينجو منها إلاّ مَنْ دعا بدعاء الغريق ، قلت : وكيف دعاء الغريق ؟
قال : تقول : يا اللّه ! يا رحمن ! يا رحيم ! يا مقلب القلوب ! ثبّت قلبي على دينك فقلت : يا
مقلب القلوب والأبصار ! ثبّت قلبي على دينك ، فقال : إنّ اللّه عز وجل مقلب القلوب
والأبصار لكن قل كما أقول : يا مقلب القلوب ! ثبّت قلبي على دينك " . ( 1 ) وإذا قيس ذلك
مع قصة عروة بن أبي الجعد البارقي - الذي أعطاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ديناراً يشتري به أضحية أو
شاة ، فاشترى شاتين ، فباع أحدهما بدينار ، فأتاه بشاة ودينار ، فدعا النبي ( صلى الله عليه وآله ) له بالبركة
في بيعه ، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه - ( 2 ) يعرف الفرق بين البابين ، فباب المعاملات
والعقود والإيقاعات باب واسع ولم يكن كباب العبادات توقيفياً . هذا من ناحية ، ومن
ناحية أُخرى أن المجتمعات والجوامع في تحوّل وتغيير دائميين فلكلّ مجتمع في كلّ
موقف من المواقف آداب وسنن خاصّة ، في المعارس والمغازي والعقود والإيقاعات
وغيرها من شؤون الحياة الاجتماعية ، وهي تتغير بمضيّ الزمان وتغير الشرائط ، فالعقد
المتعارف في هذا اليوم يترك في اليوم الآتي ويختلف عنه من حيث الكيفية والشرائط
ومن حيث الإطلاق والتقييد ونحوها ، وفي كلّ زمان علينا تحقيق ما هو المتعارف بين
الناس في ذاك اليوم وتمييز ما هو المشروع من غير المشروع والدقة فيه وردّه إلى ما هو
المشروع المجاز .
ولكن لابدّ من أن يلاحظ أنّ المسألة ليست بهذه السهولة ، فقد يقع الإنسان في موقف
هامش
1 - بحار الأنوار ، ج 95 ، ص 326 ، الباب 115 ، ح 1 .
2 - سنن أبي داود ، ج 3 ، ص 256 ، باب في المضارب يخالف ، الرقم 3384 .