لأنهن كن يتقربن إلى الجنازة في حال الصلاة وبذلك يحصل اختلاطهن مع الرجال المنافي مع الستر ، فلما سمعن من النبي صلى اللَّه عليه وسلم أفضلية الصف الأخير توجهن إليه وتباعدن عن الجنازة فسترهن هو الملاك في تشريع الأفضلية ، وحيث إنه لا يجب الاطراد في الملاك جعلت الأفضلية للأعم مما فيه الملاك وغيره من الجماعة التي لم تكن فيها النساء كما هو الشأن في الملاك للفرق بين الملاك الذي يعبر عنه بحكمة التشريع وبين علة الحكم : بلزوم الطرد والمنع في الأخير دون الأول كما هو المبين في الأصول .
ويحتمل أن يكون المراد بصفوف الصلاة صفوفها مطلقا ولو في صلاة الجنازة ، وبصفوف الجنائز هو نفس الجنائز المتعددة الموضوعة بين يدي المصلي عند تعددها ، حيث يستحب فيها تقدم جنازة الرجال على جنازة النساء ( والمعنى ) حينئذ ان خير الصفوف في الصلاة هو الصف المتقدم مطلقا ، وخير الصفوف في وضع الجنائز هو الصف المؤخر وهو الأقرب إلى الإمام ويكون تأخره باعتبار كونه أبعد عن القبلة بالنسبة إلى ما عداه ، حيث إنه كلما كان أقرب إلى الإمام يصير أبعد عن القبلة ، ولما كان الصف الأشرف في جميع المواقع للرجال كان مفاد الحديث هو اختصاص الصف المتقدم في الصلاة بالرجال والصف المتأخر الذي يلي الإمام من الجنائز بهم أيضا فيفصل حينئذ صف جنائز الرجال بين الإمام وبين جنائز النساء ويكون ذلك سببا لسترة النساء ، فالتعليل في الخبر على هذا يشمل كلا الحكمين - أعني الحكم بأفضلية الصف المتقدم في الصلاة والصف المتأخر في الجنائز .
وهذا الاحتمال هو الذي استظهره العلامة المجلسي ( قده ) وقال : لم أر من الأصحاب من احتمله مع أنه ظاهر من الخبر وبعد الاحتمال الأول لاحتياجه إلى التكلفات البعيدة من الحذف والإضمار والمجاز وعدم استقامة التعليل المذكور في الخبر للجملة الأخيرة المذكورة فيه - أعني قوله صلى اللَّه عليه وسلم : - وخير الصفوف في الجنائز المؤخر - إذ لو بنى على أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال ذلك تورية لرغبة النساء إلى التأخر فلا يخفى سخافته وبعده عن منصب النبوة ، لاشتماله على الحيلة ولو قيل إن ذلك صار سببا لتقرير هذا الحكم وجريانه فهذا أيضا تكلف إذ كان يكفي لتأخر النساء ان يقال لهن بان ذلك
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 323
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٣٢٣