تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١

بلد إلى بلد ومن وديان إلى حماد ومن قرية إلى جماعة ( 1 ) ، في حال الذل والعناء والمجاعة ، ومن ربعة إلى مضيفة بين عقول سخيفة ، ليس لهم من الله تعالى خشية وخيفة ، فلما فرغت منه جاء من فضل الله تعالى ولطفه كتابا يرشد العقل إلى ادراك أقاصي المشكلات ويهدي الفكر إلى تصور غايات معارج المعضلات . وسميته ميزان العقول في كشف أسرار غوامض حقائق مسائل علم المعقول . وكان تاريخ الابتداء به في اليوم الثاني من شهر شوال سنة 1220 ه‍ ، والفراغ منه ضحى يوم الاثنين 29 صفر سنة 1221 ه‍ . فمجموع الأيام التي تصور فيها أربعة أشهر وسبعة وعشرون يوما . وان أردت أن تكون في هذا الفن ممتد الباع طويل اليدين والذراع واسع الدائرة كثير الاطلاع ، فراجع الكتب المنطقية كمنار الأفكار ، وضياء الأذهان ، ومرآة العقول . فان فيها عن مطولات الفن كفاية للطالب ، وغنية للراغب . والمرجو ممن اطلع على زلة أن يغفرها أو هفوة أن يسترها ، لأني شرعت فيه في زمان قد غمر الأنام بلاؤه وضاقت عليهم ارض الله وسماؤه ، فقد ارتفع جهاله وظلمت عماله ، والخلق فيه مكتئبة ، والبلاد مضطربة من الخوارج النجدية والفراعنة الوهابية ، يقدمهم الطاغي الجحود والباغي الحقود الضال المضل ابن عبد العزيز سعود الجبار العنيد والمبدع له دينا جديدا . وقد هربت العلماء منهم إلى الأراضي النائية والأمصار القاصية ، وقد خلت منهم الديار واستوطنوا أقاصي البلدان والأمصار ، وبكت عليهم أوطانهم واستوحشت عليهم بلدانهم ، فللمداد بكاء ودموع ، وللكتب حنين وخشوع ، والمدارس قد سدت أبوابها وفقدت طلابها ، بل اندرست تلك المدارس وتفرقت تلك المحافل والمجالس ، وأبيدت عساكر الاشتغال ، وأحييت سنن القيل والقال ، والناس متغيرة الألوان نحيلة الأبدان ، قد غمرتهم أثواب الذل والهوان وحفتهم جنودا لهم والأحزان ، حائرون في أنفسهم ، يترقبون يوم حتفهم ورمسهم ، لما أصابهم من عمالهم واضمحلال أحوالهم ، لما دهم العراق من الوهابية أولى الكفر والطغيان والنفاق ، وأصحاب الشرك والبغي والشقاق ، فكم ارووا فيه الأرض من الدماء ، وذبحوا فيه من العلماء والصلحاء ، وكم قتلوا فيه من السادة النجباء ، فذبحوا العربان ، وقتلوا المعدان ، ثم هجموا على بلد الحسين ( ع ) وقتلوا فيه قريبا من ألفين ، وذلك في يوم الغدير من شهر ذي الحجة سنة 1216 ه‍ ، ثم مضت برهة من الزمان والأيام ، وسطوا على بلد الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) ، في غلس الظلام ، فشهر عليهم الحسام وتركهم حول الخندق والسور صرعى نيام ، فولى المخذول مكسورا ، وذهب الملعون مقهورا متبورا ، وقد كانت الوقعة يوم التاسع من شهر صفر سنة 1221 ه‍ . فيا له من زمان ما اكلبه ، ووقت ما اصعبه ، قد خمدت فيه مصابيح الأمة ، وانزوى الوكلاء من قبل الأئمة ، واضمحلت شوكة الدين ، واستقامت سلطنة الجاهلين ، قد ارتفع فيه الجهلاء وانخفض فيه العلماء ، فلا مأوى يلتجئون اليه ولا مرجع يعتمدون عليه ، ولا سورا به يحتمون ، ولا حصنا اليه يتلجئون ، قد رقيت منابرهم ويبست محابرهم وغصبت مناصبهم وتكاثرت مصائبهم وعظمت نوائبهم ، وقد عمرت قصور الجهل بصخور الفرح والسرور ، وبنيت دور العلم بأحجار الذل والكدور ، فالذل قد غمر العلماء ، والعز قد كنف الجهلاء ، فسبيل الجهل معمورة ، وطرق العلم بالاندراس مغمورة ، وما أحسن ما قاله بعض الاعلام في هذا المقام :

مصائب الدهر كفي ان لم تكف فخفى خرجت اطلب رزقي وجدت رزقي توفي فلا برزقي أحظى ولا بصنعة كفي كم جاهل في الثريا وعالم متخفي
هذا مع ما انا فيه من تراكم الهموم وتسابق الغموم وتشتيت البال ورداءة الحال ، ومع ذلك فقد جعلني الاخوان نصب الأعين ومدار الألسن ، وسلوة للعاقل ، وسالفة للجاهل ، فلا زالوا يتجسسون عن معائبي ويستخبرون عن مناقصي ومثالبي ، فسدوا علي طرق الرزق ، وسنوا علي السنة الخلق ، فنفر عني عامة الناس وبعض العلماء والاشراف والأكياس ، وانا معهم كما قال بعض العلماء حيث إنه يشتكي من الاخوان ويتظلم من الخلان :
واخوان لهم سهم مضيض بعرض من سهام الدهر صما بغوا إطفاء نور قد تجلى ويأبى الله الا ان يتما وما طلبوا سوى كتمان ذكري وتأبى رفعتي وعلاي كتما ولو تبعوا سبيلي لاستضاؤا بنور هداي في طخياء ظلما سأعذرهم لان المرء ضد لطود لم يحط بعلاه علما وكوني فيهم داعي جفاهم واني منهم أعزى وأنمى فان داموا على عكسي وهجري إفادتهم كسهم حين يرمى فلا أخشى لهم في الدهر حربا ولا أرجو لهم في الدهر سلما وذي رأي عديم رام نقصي يعادل بي رعاع القوم ظلما تعادل لا أبا لك بي رعاعا سمعت الدر عاد قط فحما
فلما رأيتهم لا يرتدعون عن اذيتي ولا يمتنعون عن غيبتي ، ويطرحون اسمي في المدارس ويطعنون بي في المجالس ، وينفرون عني الناس حتى هجرني الاشراف والأكياس . خرجت عنهم باهلي إلى الحلة . فاتخذتها لي وطنا وصيرتها لي سكنا ، لأنها كانت للعلم دارا ، وان كانت الآن للظلم مقرا وقرارا ، ولو اعلم أن لي ذنبا مع الاخوان أو تقصيرا مع
هامش
( 1 ) الحماد : الأرض القاحلة ، والجماعة : القرية الصغيرة .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 321 | حسن الأمين