تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
الكاتبي طلبه اليه وامتحنه في إكمال قصيدة ففعل وأجاد . ويزعم أصحاب التراجم الذين لم يطلعوا على ديوان الكاتبي أن الأمير بايسنقر لم يعط الكاتبي حقه ولم ينزله المنزلة التي كان يستحقها ، فحزن الكاتبي لذلك وانتقل من هرات إلى أسترآباد ومنها إلى طبرستان وگيلان . . . ولكن الحقيقة غير ذلك لسببين ، الأول : ان الكاتبي نظم قصيدتين في مدح الأمير بايسنقر على نفس وزن القصيدة التي اختبره الأمير بها وأجابه على وزنها مادحا له ، الثاني : لم يقتصر هذا الشاعر في مدحه للأمير على هاتين القصيدتين بل مدحه أيضا في عدة قصائد جيدة أخرى . ومن هنا نعلم أنه بقي في خدمة الأمير التيموري الفنان بعض الوقت ، ولكن دون أن ينقطع عن ترحاله ، حيث سافر من هرات إلى أسترآباد ومنها إلى مازندران وگيلان وشيروان ومدح شاه شيروان ( منوچهر ) عدة مرات ، ونال منه صلات وجوائز ، ومدح خلال ذلك الأمير الشيخ إبراهيم بن شاه رخ ( المتوفى عام 838 ه‍ ) ، ويقال انه حصل منه على مبلغ قدره عشرة آلاف دينار ، إلا أنه أنفق هذا المبلغ الكبير بأيام معدودة ، بحيث لم يبق منه إلا سعر من من الطحين . سافر الكاتبي بعد ذلك من شيروان إلى آذربايجان ، ودخل في خدمة إسكندر بن يوسف القره قويونلو ( 823 - 839 ه‍ ) ( ولكن هذا التركماني الجلف لم يدرك عمق شعره ولم يلتفت اليه ) فغادر إلى أصفهان والتحق بالخواجة صائن الدين علي بن محمد تركه الذي يعد من كبار علماء عصره فاخذ يستفيد من فيضه وينهل من تصوفه وعرفانه . وعلى أية حال سافر الكاتبي من أصفهان إلى أسترآباد وبقي فيها حتى وفاته . وينقل أن وفاته كانت بسبب الوباء أو مرض الطاعون الذي تفشى في تلك المدينة . وقد نقل الأمير علي شير في ( مجالس النفائس ) انه كان حيا في الوباء الذي أصاب أسترآباد عام 838 ه‍ ، ولكنه مات في طاعونها عام 839 ه‍ ، بينما قال دولت شاه ان وفاته كانت عام 839 هبوباء أسترآباد ، ونفس هذا التاريخ تكرر في حبيب السير ، الا ان تقي الدين يرى أن هذه الحادثة تتعلق بعام 838 إذ ينقل المادة التاريخية لمولانا بدر الدين الشيرواني التي يحدد فيها عام وفاة الشاعر الكاتبي ، وحذا بعض أصحاب التراجم حذوه في ذلك . وقد دفن هذا الشاعر في أسترآباد خارج ضريح السيد معصوم في مقبرة ( نه گوران ) . ترك الشاعر الكاتبي آثارا عديدة ، كانت بمجموعها دليلا على انصراف هذا الشاعر المقتدر إلى نظم الشعر وتقليد بعض الشعراء المتقدمين . فمثلا كانت بعض آثاره أجوبة منه على آثار المتقدمين ، ويبدو ذلك واضحا في بعض المنظومات ، مثل : ( گلشن أبرار ) وهي تقليد لمخزن الأسرار ، ومنظومة ( ده باب ) وهي تقليد لبوستان سعدي وهكذا في المحب والمحبوب أو ( سي نامه ) ، بينما جاءت بعض أشعاره ثمرة لفنه وقدرته في صناعات الشعر ، كما في منظومته المشهورة ( مجمع البحرين ) ومنظومة ( ده باب تجنيسات ) . وإذا كانت قصائد الكاتبي بمجموعها تظهر اقتداره وموهبته ، فإنها جاءت على عادة الشعراء في ذلك الوقت ، فهي أما جواب للقصائد المشهورة للشعراء المتقدمين ، وأما إذا كانت مبتكرة فهي متاثرة تأثرا مباشرا بالشعراء المتقدمين المعروفين . وقد كانت آثاره متنوعة ومؤلفة من أجزاء عدة ، هي كما يلي : ) ديوان مشتمل على قصائد في مدح الباري تعالى والرسول ( ص ) ومدح أستاذه صائن الدين وتيمور وشاه رخ والميرزا بايسنقر والميرزا سلطان إبراهيم والسلطان خليل وبعض ملوك وأمراء شيروان وعدد من مشاهير زمانه ، وجاءت القصائد منظمة حسب الترتيب الأبجدي . 2 ) منظومات الكاتبي التي جاءت تقليدا للشعراء المتقدمين ، مثل : گلشن أبرار التي يقلد فيها منظومة مخزن الأسرار للنظامي ، ومنظومة مجمع البحرين وهي تقليد لمنظومات خورشيد وجمشيد سلمان ساوجي وهما وهمايون خواجو ومنظومة ( ده باب تجنيسات ) . والجدير بالذكر أن مجمع البحرين تشتمل على مقدمة نثرية ، وموضوع المنظومة هو عشق عرفاني بين الناظر والمنظور ، ومن هنا تسمى أحيانا ب ( الناظر والمنظور ) ، والمنظومة الأخرى هي منظومة ( ده باب ) التي جاءت مشتملة على حكايات ونصائح أخلاقية وكان الكاتبي قد نظمها بهدف تربية ابنه عنايت ، وهي تقليد لبوستان سعدي وعلى وزنها . والمنظومة الأخرى مثنوي ( سي نامه ) المشهورة ب ( المحب والمحبوب ) وهي تشتمل على ثلاثين رسالة تبادلهما المحب والمحبوب ، والحقيقة أن الكاتبي قلد في ( السي نامه : ثلاثين رسالة ) الشعراء الذين كانوا ينظمون ( الده نامه : عشرة رسائل ) ولكنه لم يكتف [ بعشة ] العشرة فأكمل العدة وجعلها ثلاثين . والمنظومة الأخرى هي مثنوي ( كتاب دلرباي ) وهي منظومة عرفانية ينظمها الشاعر بعد عام 830 هبقليل ، وموضوعها قصة ملك اليمن قباد مع وزيره . ولا شك أن الكاتبي احتل مكانة شامخة بين شعراء عصره ، ولا سيما في تقصي واقتفاء آثار القدماء ، وكانت قصائده العديدة ومثنوياته آية على تفتح قريحته حينما يقع في مضائق الشعر ، وأما غزلياته فهي تظهر رفعة ذوقه ومتانة كلامه وقوة بيانه . من هنا اعترف جميع مؤلفي العهد التيموري بمهارته وقدرته في الشعر ، فمثلا قال عنه الأمير علي شيرانه : « كان في عصره دون نظير ، وكان كلما اتجه إلى نوع من الشعر اتي فيه بمعان غريبة ولا سيما في القصائد ، بل إنه كان يخترع في شعره وجاءت أغلب اختراعاته جيدة » . بينما بالغ دولت شاه في وصفه ومدحه وتعداد مواهبه . والحقيقة أن إعجاب أصحاب التراجم والشعراء في القرن التاسع الهجري به ، لم يكن بسبب غزلياته الرائعة المليئة بالمعاني والمضامين العرفانية ، التي هي أفضل وأكثر مهارة من جميع أنواع شعره الأخرى ، ولم يكن أيضا بسبب قدرته ومهارته المثيرة للاعجاب في إبداع المعاني ورعاية قواعد الشعر حتى في أصعب التزاماته الشعرية ، انما كان إعجابهم به نتيجة لاهتمامه الخاص بالصناعات الشعرية وحسب . ولا شك أن الكاتبي كان من أكبر أساتذة القرن التاسع الهجري ومن أرفعهم شانا . كانت قصائد الكاتبي في أغلبها تتعلق بمدح السلاطين والأعيان المعاصرين له ، أو في المناقب أو في مصيبة كربلاء أو في المواعظ . والشاعر يقتدي في هذه المجالات باساتذته المتقدمين ، مثل : الخاقاني وكمال الدين إسماعيل . ولعل من أبرز الأشخاص الذين مدحهم الكاتبي هم : الميرزا بايسنقر بن شاه رخ الذي عرف بحبه للشعر والفن ، والخواجة صائن الدين علي بن محمد تركه الأصفهاني الذي