وجعله خالجاً ( 1 ) لأشطانها ( 2 ) وقاطعاً لمرائر أقرانها . عالم السرِّ من ضمائر
المضمرين ، ونجوى المتخافتين ، وخواطر رجم الظنون ، وعُقد عزيمات اليقين ،
ومسارق إيماض الجفون ، وما ضمنته أكنان القلوب وغيابات الغيوب ، وما
أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع ، ومصائف الذرِّ ومشاتي الهوامِّ ، ورجع الحنين
من المولهات وهَمس الأقدام ، ومُنفسح الثمرة من ولائج غُلف الأكمام ، ومُنقمع
الوحوش من غيران الجبال وأوديتها . ومُختبأ البعوض بين سوق الأشجار
وألحيتها ، ومغرز الأوراق من الأفنان ، ومحطّ الأمشاج من مسارب الأصلاب ،
وناشئة الغيوم ومتلاحمها . ودُرور قطر السحاب في متراكمها ، وما تسفي
الأعاصير بذُيولها ، وتعفو الأمطار بسيولها ، وعوم بنات الأرض في كُثبان
الرمال ، ومستقرّ ذوات الأجنحة بذرا شناخيب الجبال ، وتغريد ذوات المنطق في
دياجير الأوكار ، وما أوعبته الأصداف ، وحضنت عليه أمواج البحار ، وما غشيته
سُدفة ( 3 ) ليل أو ذرّ عليه شارق نهار ، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات
النور ، وأثر كلّ خطوة ، وحسّ كلّ حركة ، ورجع كلّ كلمة ، وتحريك كلّ شَفة ،
ومستقرّ كلّ نَسمة ، ومثقال كلّ ذرّة ، وهماهم كلّ نفس هامّة ، وما عليها من ثمر
شجرة ، أو ساقط ورقة ، أو قرارة نُطفة ، أو نُقاعة دم ومضغة ، أو ناشئة خلق
وسُلالة ، لم يلحقه في ذلك كُلفة ، ولا اعترضته في حفظ ما ابتدع من خلقه
عارضة ، ولا اعتورته في تنفيذ الاُمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة ، بل
هامش
( 1 ) الخالجُ : المُسرِع في الأخذِ ( النهاية : 2 / 475 ) .
( 2 ) الشَّطن : الحبل وقيل : هو الطَّويلُ منه ، وإنما شدَّه بشطنين لقُوّته وشدَّته . فاستعار الأشطان للحياة
لامتِدادِها وطولِها ( النهاية : 2 / 475 ) .
( 3 ) السُّدْفة : من الأضداد تقع على الضياء والظلمة ، ومنهم من يجعلها اختِلاط الضوء والظلمة معاً ، لوقت
ما بين طلوع الفجر والإسفارِ ( النهاية : 2 / 354 ) .