بعد وجودها ، حتى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها
بأعجب من إنشائها واختراعها ( 1 ) .
5360 - عنه ( عليه السلام ) - في صفة الأرض ودحوها على الماء - : كبس الأرض على مور
أمواج مستفحلة . ولُجج بحار زاخرة . تلتطم أواذيُّ أمواجها وتصطفق متقاذفات
أثباجها ( 2 ) ، وترغوا زبداً كالفحول عند هياجها ، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل
حملها ، وسكن هَيج ارتمائه إذ وطِئته بكلكلها ، وذلّ مُستخذياً إذ تمعّكت ( 3 ) عليه
بكواهلها ، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجياً مقهوراً ، وفي حكمة الذلِّ منقاداً
أسيراً ، وسكنت الأرض مدحُوّة في لُجّة تيّاره ، وردّت من نخوة بَأوِهِ ( 4 ) واعتلائه ،
وشموخ أنفه وسمّو غُلوائه ، وكعمته ( 5 ) على كظّة جريته ، فهمد بعد نزقاته ، ولبد ( 6 )
بعد زيفان ( 7 ) وثباته .
فلمّا سكن هَيجُ الماء من تحت أكنافها ، وحمل شواهق الجبال الشمّخ البذَّخ
على أكتافها ، فجّر ينابيع العيون من عرانين ( 8 ) أُنوفها ، وفرّقها في سهوب ( 9 ) بِيدها
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 186 ، الاحتجاج : 1 / 477 / 116 ، بحار الأنوار : 4 / 255 / 8 .
( 2 ) الثَّبَج : ما بين الكاهل إلى الظهر ( النهاية : 1 / 206 ) .
( 3 ) تمعَّك : أي تَمرّغ في ترابِه ( النهاية : 4 / 343 ) .
( 4 ) البأو : الكِبر والتعظيم ( النهاية : 1 / 91 ) .
( 5 ) كَعم : أن يَلثَم الرجلُ صاحِبه ، ويَضع فَمه على فَمِه كالتقبيل ، اُخِذ من كَعم البعير ؛ وهو أن يُشَدّ فَمُه إذا
هاج ( النهاية : 4 / 180 ) .
( 6 ) لبَد بالمكان : أقام به ولَزِق فهو مُلبِدٌ به ( لسان العرب : 3 / 385 ) .
( 7 ) الزَّيَفان : التَّبختُر في المَشي ، من زافَ البعير يَزيف إذا تَبَختر ( النهاية : 2 / 325 ) .
( 8 ) العِرنين : الأنف . وقيل : رَأسه ، وجمعه عَرانَين ( النهاية : 3 / 223 ) .
( 9 ) السَّهْب : وهي الأرضُ الواسعةُ ( النهاية : 2 / 428 ) .