تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
ثمّ قال : هاهنا مقدّمة ينبغي أن تُعلم ؛ وهي أنّ أكثر الناس موتورون من الدنيا ، أمّا المستحقّون فلا ريب في أنّ أكثرهم محرومون ، نحو عالم يرى أنّه لا حظّ له في الدنيا ، ويرى جاهلاً غيره مرزوقاً وموسّعاً عليه . وشجاع قد أبلى في الحرب ، وانتفع بموضعه ، ليس له عطاء يكفيه ويقوم بضروراته ، ويرى غيره وهو جبان فشل ، يفرق من ظلّه ، مالكاً لقطر عظيم من الدنيا ، وقطعة وافرة من المال والرزق . وعاقل سديد التدبير صحيح العقل ، قد قدر عليه رزقه ، وهو يرى غيره أحمق مائقاً تدرّ عليه الخيرات ، وتتحلّب عليه أخلاف الرزق . وذي دين قويم ، وعبادة حسنة ، وإخلاص وتوحيد ، وهو محروم ضيّق الرزق ويرى غيره يهوديّاً أو نصرانيّاً أو زنديقاً كثير المال حسن الحال . حتى إنّ هذه الطبقات المستحقّة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات التي لا استحقاق لها ، وتدعوهم الضرورة إلى الذلّ لهم ، والخضوع بين أيديهم ، إمّا لدفع ضرر ، أو لاستجلاب نفع . ودون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضاً ما نشاهده عياناً من نجّار حاذق ، أو بنّاء عالم ، أو نقّاش بارع ، أو مصوّر لطيف ، على غاية ما يكون من ضيق رزقهم ، وقعود الوقت بهم ، وقلّة الحيلة لهم ، ويرى غيرهم ممّن ليس يجري مجراهم ، ولا يلحق طبقتهم مرزوقاً مرغوباً فيه ، كثير المكسب ، طيّب العيش ، واسع الرزق . فهذا حال ذوي الاستحقاق والاستعداد . وأمّا الذين ليسوا من أهل الفضائل ، كحشو العامّة ؛ فإنّهم أيضاً لا يخلون من الحقد على الدنيا والذمّ لها ، والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم