تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وجيرانهم ، ولا يرى أحد منهم قانعاً بعيشه ، ولا راضياً بحاله ، بل يستزيد ويطلب حالاً فوق حاله . قال : فإذا عرفت هذه المقدّمة ، فمعلوم أنّ عليّاً ( عليه السلام ) كان مستحقّاً محروماً ، بل هو أمير المستحقّين المحرومين ، وسيّدهم وكبيرهم ، ومعلوم أنّ الذين ينالهم الضيم ، وتلحقهم المذلّة والهضيمة ، يتعصّب بعضهم لبعض ، ويكونون إلباً ويداً واحدة على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا ، ونالوا مآربهم منها ، لاشتراكهم في الأمر الذي آلمهم وساءهم ، وعَضَّهم ومضّهم ، واشتراكهم في الأنفة والحميّة والغضب والمنافسة لمن علا عليهم وقهرهم ، وبلغ من الدنيا ما لم يبلغوه . فإذا كان هؤلاء - أعني المحرومين - متساوين في المنزلة والمرتبة ، وتعصّب بعضهم لبعض ، فما ظنّك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف ، جامع للفضائل محتو على الخصائص والمناقب ، وهو مع ذلك محروم محدود ، وقد جرّعته الدنيا علاقمها ، وعلّته عللاً بعد نَهَل من صابها وصبرها ، ولقي منها برحاً بارحاً ، وجهداً جهيداً ، وعلا عليه من هو دونه ، وحكم فيه وفي بنيه وأهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الإمرة والسلطان في حسابه ، ولا دائراً في خلده ، ولا خاطراً بباله ، ولا كان أحد من الناس يرتقب ذلك له ولا يراه له . ثمّ كان في آخر الأمر أن قُتل هذا الرجل الجليل في محرابه ، وقُتل بنوه بعده ، وسبي حريمه ونساؤه ، وتتبّع أهله وبنو عمّه بالقتل والطرد والتشريد والسجون ، مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم ، وانتفاع الخلق بهم . فهل يمكن ألاّ يتعصّب البشر كلّهم مع هذا الشخص ؟ ! وهل تستطيع القلوب ألاّ تحبّه وتهواه ، وتذوب فيه وتفنى في عشقه ، انتصاراً له ، وحميّةً من أجله ، وأنفة ممّا ناله ، وامتعاضاً ممّا جرى عليه ؟ ! وهذا أمر مركوز في الطبائع ،