الأشعار ، وتجسّسون الأخبار ، حتى إذا تفرّقتم تسألون عن الأسعار ، جَهلةً من
غير علم ، وغَفلةً من غير ورع ، وتتبُّعاً في غير خوف ، نسيتم الحرب والاستعداد
لها ، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ، شغلتموها بالأعاليل والأباطيل .
فالعجب كلَّ العجب ! وما لي لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم ، وتخاذلكم
عن حقّكم !
يا أهل الكوفة ! أنتم كأُمّ مجالِد ، حملت فأملَصَت ( 1 ) ، فمات قيِّمُها ، وطال
تأيّمها ، وورثها أبعدُها .
والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إنّ من ورائكم للأعور الأدبر ، جهنّم الدنيا ،
لا يُبقي ولا يذر ، ومن بعده النهّاس الفرّاس الجَموع المَنوع ، ثمّ لَيتوارثنّكم من
بني أُميّة عدّة ، ما الآخر بأرأف بكم من الأوّل ، ما خلا رجلاً واحداً ( 2 ) ، بلاءٌ قضاه
الله على هذه الأُمّة لا محالة كائن ، يقتلون خياركم ، ويستعبدون أراذلكم ،
ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حِجالكم ( 3 ) ، نقمةً بما ضيّعتم من
أُموركم ، وصلاح أنفسكم ودينكم .
يا أهل الكوفة ! أُخبركم بما يكون قبل أن يكون ؛ لتكونوا منه على حذر ،
ولتُنذروا به من اتّعظ واعتبر : كأنّي بكم تقولون : إنّ عليّاً يكذب ، كما قالت
قريش لنبيّها ( صلى الله عليه وآله ) وسيّدها نبيّ الرحمة محمّد بن عبد الله حبيب الله ، فيا ويلكم !
هامش
( 1 ) إملاص المرأة الجنين : هو أن تُزلِق الجنين قبل وقت الولادة . وكلّ ما زلق من اليد فقد مَلِص
( النهاية : 4 / 356 ) .
( 2 ) قال المجلسي : المراد بالنّهاس الفرّاس إمّا هشام بن عبد الملك ؛ لاشتهاره بالبخل ، أو سليمان بن
عبد الملك ، والأوّل أنسب . والمراد بالرجل الواحد هو عمر بن عبد العزيز ( بحار الأنوار : 34 / 140 ) .
( 3 ) الحِجال : جمع الحَجَلة ؛ وهي بيت كالقبّة يُستَر بالثياب ، وتكون له أزرار كِبار ( النهاية : 1 / 346 ) .