أمَ والله لئن ظهروا عليكم لتجدنّهم أرباب سوء من بعدي لكم ، لكأنّي أنظر
إليهم وقد شاركوكم في بلادكم ، وحملوا إلى بلادهم فيئكم ، وكأنّي أنظر إليكم
تَكِشّون ( 1 ) كشيش الضِّباب ؛ لا تأخذون حقّاً ولا تمنعون لله حرمة ، وكأنّي أنظر
إليهم يقتلون صالحيكم ، ويُخيفون قرّاءكم ، ويحرمونكم ويحجبونكم ، ويُدنون
الناس دونكم ، فلو قد رأيتم الحرمان والأثَرة ، ووقع السيف ، ونزول الخوف ، لقد
ندمتم وخسرتم على تفريطكم في جهادهم ، وتذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من
الخَفْض ( 2 ) والعافية حين لا ينفعكم التَّذكار ( 3 ) .
2 / 2
التحذير من جهنّم الدنيا
2758 - الإمام عليّ ( عليه السلام ) - في كلامه مع أهل الكوفة - : أيّها الناس ! إنّي استنفرتكم
لجهاد هؤلاء القوم [ أي أهل الشام ] فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تُجيبوا ، ونصحت
لكم فلم تقبلوا ، شهود كالغُيَّب ، أتلو عليكم الحكمة فتُعرضون عنها ، وأعظكم
بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، كأنّكم حُمُر مستنفرة فرّت من قَسْوَرة ( 4 ) ،
وأحثّكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرّقين
أيادي سبأ ، ترجعون إلى مجالسكم تتربّعون حِلَقاً ، تضربون الأمثال وتناشدون
هامش
( 1 ) الكَشيش : الصوت يشوبه خَوَر مثل الخشخشة وكشيش الأفعى : صوتها من جلدها لا من فمها .
يقرّع ( عليه السلام ) أصحابه بالجبن والفشل ويقول لهم لكأنّي انظر إليكم وأصواتكم غمغمة بينكم من الهلع الذي
قد اعتراكم فهي أشبه شيء بأصوات الضباب المجتمعة ( شرح نهج البلاغة : 7 / 304 ) .
( 2 ) الخَفْض : الدَّعة والسكون ( النهاية : 2 / 54 ) .
( 3 ) الإرشاد : 1 / 274 ، الغارات : 2 / 511 عن عمرو بن محصن ؛ الإمامة والسياسة : 1 / 172 كلاهما
نحوه .
( 4 ) قيل : هو الرُّماة من الصيّادين . وقيل : هو الأسد . وقيل : كلُّ شديد ( النهاية : 4 / 63 ) .