عثمان حتى أغلظ كلّ واحد منهما لصاحبه ، وحتى تهدّده معاوية وقال له : إنّي
شاخص إلى الشام وتارك عندك هذا الشيخ - يعني عثمان - والله لئن انحصّت منه
شعرة واحدة لأضربنّك بمائة ألف سيف ! ! . . .
وأمّا قول ابن عبّاس - له ( عليه السلام ) : ولِّه شهراً واعزله دهراً - ، وما أشار به المغيرة بن
شعبة فإنّهما ما توهّماه وما غلب على ظنونها وخطر بقلوبهما .
وعليّ ( عليه السلام ) كان أعلم بحاله مع معاوية ، وأنّها لا تقبل العلاج والتدبير ، وكيف
يخطر ببال عارف بحال معاوية ونكره ودهائه وما كان في نفسه من عليّ ( عليه السلام ) من
قتل عثمان ومن قبل قتل عثمان أنّه يقبل إقرار عليّ ( عليه السلام ) له على الشام ، وينخدع
بذلك ، ويبايع ويعطي صفقة يمينه ! إنّ معاوية لأدهى من أن يُكاد بذلك ، وإنّ
عليّاً ( عليه السلام ) لأعرف بمعاوية ممّن ظنّ أنّه لو استماله بإقراره لبايع له . ولم يكن عند
عليّ ( عليه السلام ) دواء لهذا المرض إلاّ السيف ؛ لأنّ الحال إليه كانت تؤول لا محالة ، فجعل
الآخر أوّلاً ( 1 ) .
2 - إبقاء معاوية كان يزعزع الحكومة المركزيّة
لم يكن إبقاء معاوية على ولاية الشام يقوّي ركائز حكومة الإمام ، بل إنّه كان
يؤدي إلى زعزعتها منذ البداية . وقد جاء تحليل ابن سنان في هذا المضمار على
النحو التالي :
إنّا قد علمنا أنّ أحد الأحداث التي نقمت على عثمان وأفضت بالمسلمين إلى
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : 10 / 233 . قال ابن أبي الحديد في سياق كلامه : وأنا أذكر في هذا الموضع خبراً
رواه الزبير بن بكّار في الموفّقيّات ؛ ليعلم من يقف عليه أنّ معاوية لم يكن لينجذب إلى طاعة عليّ ( عليه السلام )
أبداً ، ولا يعطيه البيعة ، وأنّ مضادّته له ومباينته إيّاه كمضادّة السواد للبياض لا يجتمعان أبداً ، وكمباينة
السلب للإيجاب ؛ فإنّها مباينة لا يمكن زوالها أصلاً .