كداء البطن ، تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور ، فتسكن أحياناً فلا
يُدرى من أين تؤتى ، تذر الحليم كابن أمس ، شيموا سيوفكم ، وقصّدوا
رماحكم ، وأرسلوا سهامكم ، واقطعوا أوتاركم ، والزموا بيوتكم ، خلّوا
قريشاً - إذا أبَوا إلاّ الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتق
فتقها ، وتشعب صدعها ؛ فإن فعلت فلأنفسها سَعَت ، وإن أبت فعلى أنفسها مَنَت ،
سمنُها تُهريق في أديمها ( 1 ) ، استنصحوني ولا تستغشّوني ، وأطيعوني يسلمْ لكم
دينكم ودنياكم ، ويشقى بحرّ هذه الفتنة مَن جناها .
فقام زيد فشال يده المقطوعة ( 2 ) ، فقال : يا عبد الله بن قيس ، رُدّ الفرات عن
دِراجه ( 3 ) ، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ ، فإن قدرت على ذلك
فستقدر على ما تريد ، فدع عنك ما لست مدركه ، ثمّ قرأ : ( ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن
يُتْرَكُواْ ) ( 4 ) - إلى آخر الآيتين - سيروا إلى أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ،
وانفروا إليه أجمعين تُصيبوا الحقّ .
فقام القعقاع بن عمرو فقال : إنّي لكم ناصح ، وعليكم شفيق ، أُحبّ أن
ترشدوا ، ولأقولنّ لكم قولا هو الحقّ ؛ أمّا ما قال الأمير فهو الأمر لو أنّ إليه
سبيلاً ، وأمّا ما قال زيد فزيدٌ في الأمر فلا تستَنْصِحوه ؛ فإنّه لا يتنزع أحدٌ من
هامش
( 1 ) قال الميداني : سمنكُم هُريق في أديمكم : يُضرب للرجل ينفق ماله على نفسه ثمّ يريد أن يمتنّ به
( مجمع الأمثال : 2 / 112 / 1799 ) والأديم - هنا - هو طعامهم المأدوم .
( 2 ) قُطعت في معركة اليرموك .
( 3 ) قال الميداني : " مَن يردّ الفراتَ عن دِراجه " هو جمع دَرَج ؛ أي وجْهه الذي توجّه له . يعني أنّ الأمر
خرج من يده وأنّ الناس عزموا على الخروج من الكوفة ، فهو لا يقدر أن يردّهم من فورهم هذا ( مجمع
الأمثال : 3 / 336 / 4094 ) .
( 4 ) العنكبوت : 1 و 2 .