1537 - المناقب لابن شهرآشوب : نظر عليّ إلى امرأة على كتفها قربة ماء ، فأخذ
منها القربة فحملها إلى موضعها ، وسألها عن حالها فقالت : بعث عليّ بن
أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقُتل ، وترك عليَّ صبياناً يتامى وليس عندي
شيء ، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس . فانصرف وبات ليلته قلقاً .
فلمّا أصبح حمل زِنْبِيلاً فيه طعام ، فقال بعضهم : أعطني أحمله عنك . فقال :
مَن يحمل وِزري عنّي يوم القيامة ! فأتى وقرع الباب ، فقالت : من هذا ؟ قال : أنا
ذلك العبد الذي حمل معك القربة ، فافتحي فإنّ معي شيئاً للصبيان . فقالت : رضي
الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب ! فدخل وقال : إنّي أحببت اكتساب
الثواب فاختاري بين أن تعجنين ( 1 ) وتخبزين ، وبين أن تُعَلِّلين ( 2 ) الصبيان لأخبز
أنا . فقالت : أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر ، ولكن شأنك والصبيان ؛ فعلِّلْهم حتى
أفرغ من الخبز . فعمدت إلى الدقيق فعجنته ، وعمد عليّ ( عليه السلام ) إلى اللحم فطبخه ،
وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره ، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئاً
قال له : يا بنيَّ ، اجعل عليّ بن أبي طالب في حلٍّ ممّا مرَّ في أمرك . فلمّا اختمر
العجين قالت : يا عبد الله ، سجِّر التنّور . فبادر لسجره ، فلمّا أشعله ولفَح في وجهه
جعل يقول : ذُق يا عليّ ! هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى . فرأته امرأة تعرفه
هامش
( 1 ) كذا في المصدر وبحار الأنوار ، ومقتضى القواعد النحوية المعمول بها اليوم أن يقال : " أن تعجني
وتخبزي . . . وتعلّلي " ؛ لمكان " أنْ " الناصبة للفعل المضارع . لكن ذكر صاحب النحو الوافي أنّ بعض
القبائل العربيّة يهملها ، فلا ينصب بها المضارع برغم استيفائها شروط نصْبه ؛ كقراءة من قرأ قوله
تعالى : ( وَالْوَلِدتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) برفع المضارع " يتمُّ " على
اعتبار " أنْ " مصدريّة مهملة . والأنسب اليوم ترك هذه اللغة لأهلها ، والاقتصار على الإعمال ؛ حرصاً
على الإبانة ، وبُعداً عن الإلباس ( النحو الوافي : 4 / 267 ) .
( 2 ) عَلَّلَهُ بطعام وحديث ونحوهما : شَغَلَهُ بهما ( لسان العرب : 11 / 469 ) .