تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وما أصنعُ بفدك وغير فدك ؟ والنفس مظانّها في غد جدث ، تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها . وحفرةٌ لو زيد في فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فُرجها التراب المتراكم . وإنّما هي نفسي أرُوضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق . ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولُباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشِّبَع ، أوَ أبيتَ مبطاناً وحولي بُطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى ، أو أكون كما قال القائل : وحسبك داءً أن تبيت ببطنة * وحولك أكبادٌ تحِنُّ إلى القدِّ ! أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أُسوةً لهم في جشوبة العيش ! فما خُلقتُ ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ( 1 ) ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، أو أُتركَ سدىً ، أو أُهمل عابثاً ، أو أجُرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة ! . . . إليكِ عنّي يا دنيا ، فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبكِ ، وأفلتّ من حبائلك ، واجتنبتُ الذهاب في مداحضك . أين القرون الذين غررتِهم بمداعبك ! أين الأُمم الذين فتنتِهم بزخارفك ! فهاهم رهائن القبور ، ومضامين اللُّحود . والله لو كنتِ شخصاً مرئياً ، وقالباً حسّياً ، لأقمت عليك حدود الله في عباد
هامش
( 1 ) تَقَمَّم : تتبّع القُمام في الكُناسات ( لسان العرب : 12 / 493 ) .
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 146 | محمد الريشهري / السيد محمد كاظم الطباطبائي / السيد محمود الطباطبائي نژاد