يَصِرّ بنا وبهم الأمر صَريرَ الجُندَب ( 1 ) ، ونمدّ أكفّاً إلى المجد لا نقبضها أو نبلغ
المدى ، وإن تكن الأُخرى فلا لقلّة في العدد ، ولا لوهن في الأيدي ، والله لولا أنّ
الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادلُ صخر ، يُسمع اصطكاكُها من محلّ الأبيل ( 2 ) .
قال : فحلّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حِبْوَته ( 3 ) ، وجثا على ركبتيه - وكذا كان يفعل إذا
تكلّم - فقال ( عليه السلام ) : الحلم زين ، والتقوى دين ، والحجّة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، والطريق
الصراط .
أيّها الناس ، رحمكم الله ، شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم ( 4 ) سفن
النجاة ، وعرّجوا عن سبيل المنافرة ، وحطّوا تيجان المفاخرة . أفلح من نهض
بجناح ، أو استسلم فأراح . ماء آجن ( 5 ) ، ولقمة يغصّ بها آكلها ، ومجتني الثمرة
في غير وقتها كالزارع في غير أرضه ، والله لو أقول لتداخلت أضلاعٌ كتداخل
أسنان دوّارة الراحي ، وإن أسكت يقولوا : جزع ابن أبي طالب من الموت .
هيهات ! بعد اللتيّا والتي ، والله لعليٌّ آنسُ بالموت من الطفل بثدي أُمّه ، لكنّي
اندمجتُ على مكنون علم لو بُحت به لاضطربتم اضطرابَ الأرشية ( 6 ) في
الطَّويّ ( 7 ) البعيدة .
هامش
( 1 ) الجُندَب : ضرب من الجراد ، وقيل : هو الذي يَصِرّ في الحر ( النهاية : 1 / 306 ) .
( 2 ) الأبيل بوزن الأمير : الراهب . وسمّي به لتأبله عن النساء وترك غِشيانهنّ والفعل منه أبَلَ يأبُلُ أبالة إذا
تنسك وترهب ( لسان العرب : 11 / 7 ) ولعلّ المراد به أنّه يُسمع من المكان القاصي كمحلّ عبادة الراهب .
( 3 ) الحِبْوَة والحُبْوَة : الثوب الذي يحتبى به ، يقال : حل حِبوَته وحُبوَته ( لسان العرب : 14 / 161 ) .
( 4 ) الحيازيم : جمع الحيزوم ، وهو الصدر وقيل وسطه ( النهاية : 1 / 467 ) .
( 5 ) الآجن : الماء المتغيّر الطعم واللون ( النهاية : 1 / 26 ) .
( 6 ) الرشاء : الحبل الذي يتوصّل به إلى الماء ، وجمعه أرشية ( مجمع البحرين : 2 / 703 ) .
( 7 ) الطَّوِيّ : البئر المطويّة بالحجارة ( لسان العرب : 15 / 19 ) .