القيادة التي تنتظرها ، إلى أُسلوب غائم غير واضح ، وغير محدّد المعالم
والتفاصيل !
على أنّ الذي يدحض هذا التصوّر ويستبعده تماماً هو موقف التيّار الذي
طالب بالخلافة ، ثمّ تبوّأ مقعدها ؛ فكلّ الأرقام والشواهد في حياة هؤلاء تدلّ
بصورة لا تقبل الشكّ أنّ أيّ واحد من هؤلاء لم يستند إلى الشورى كميراث
نبوي ، ولم يستدلّ على صحّة موقفة بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) هو الذي اختار نظام الشورى
للأُمّة من بعده ، وليس في حياتهم ما يُنبئ عن إيمانهم بالشورى وممارستهم لهما
عمليّاً ، فأبو بكر اتجّه إلى " النصب " في تعيين البديل الذي يخلفه ، أمّا عمر بن
الخطّاب فلم يلجأ إلى خيار الشورى السداسيّة إلاّ بعد أن دفعته الضرورة لذلك ،
حيث لم يرَ البديل المناسب ؛ وفي ذلك يقول وهو على فراش الموت : " لو
أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه ، ولو ثقت به ؛ سالم مولى أبي حذيفة ،
وأبي عبيدة بن الجرّاح ( 1 ) ، ولو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى " ( 2 ) .
بهذا يتّضح أنّ هذه النظريّة لا تمتّ إلى واقع النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بصلة ، بل هي ممّا أُنتج
بعد ذلك بزمن ، وتمّ صياغتها بمرور الوقت لتبرير ما وقع في صدر التاريخ
الإسلامي وتصويبه ، ومن ثمَّ فهي أقرب إلى تنظير ما بعد الوقوع ( 3 ) !
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى : 3 / 343 .
( 2 ) أُسد الغابة : 2 / 383 / 1892 .
( 3 ) هنا تكمن ورطة الباحثين الإسلاميّين الذين كتبوا في نظام الحكم ، فبعد أن نفى هؤلاء النصّ بعد
النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وجنحوا إلى نظام الشورى الذي يعتقدون به ، وعجزوا عن الاستناد إلى نصوص نبويّة تؤيّد
اختيارهم النظري ، راحوا يستشهدون بأُمور لا تمتّ إلى هذه الرؤية بصلة قط .
راجع على سبيل المثال : كتاب " النظريّات السياسيّة الإسلاميّة " ، و " فقه الشورى والاستشارة " ،
و " الشورى وأثرها في الديمقراطيّة " .