مستطيعاً فيما يفعل ، وأن واضع النرد كان مجبراً ، فتبين ( 1 ) باللعب بها أنه لا صنع له فيها ، بل تصرفه فيها على ما يوجبه القدَرُ عليه بها . العروضي يحكي عن الراضي وسعة اطلاعه : وذكر العروضي - وهو ممن كان أدّب الراضي وغيره من الخلفاء وأبنائهم - قال : حدثت الراضي ذات يوم خبراً لقتيبة ( 2 ) بن مسلم الباهلي في الكبر وغيره من الخصال التي توجد في أهل الرياسات مما يحمد فيهم وما يكره منهم من الأخلاق ، فكتب ذلك في حال صباه وعنفوان حداثته ، ولقد رأيته مواظباً على درسه إلى أن استكمل إتقانه في مجلسه ، فداخله عند ذلك طرب وفرح وأريحية لم أعهدها منه ، ثم قال لي وقد أقبل عليّ : لعل الزمان أن يبلغ بي أن أتأدب بهذه الخصال ، وأكون في مرتبة من يرتاض بهذه الآداب ، وهو أنه قيل لقتيبة بن مسلم وهو وَالٍ على خراسان للحجاج ومحارب للترك : لو وجهت فلانا - لرجل من أصحابه - إلى حرب بعض الملوك على الجيش ، فقال قتيبة : إنه رجل عظيم الكبر ، ومن عظم كبره اشتد عجبه ، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفياً ، ولم يؤامر نصيحاً ، ومن تَبجَّحَ بالإعجاب وفخر بالاستبداد ، كان من الصنع بعيداً ، ومن الخذلان قريباً ، والخطأ مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة ، ومن تكبر على عدوه حقره ، وإذا حقره تهاون بأمره ، ومن تهاون بأمر عدوه ووثق بأمر قوته وسكن إلى جميع عُدَّته قلَّ احتراسه ، ومن قل احتراسه كثر عِثَاره ، وما رأيت عظيما تكبر على صاحب حرب قط إلا كان منكوباً ومهزوماً ومخذولا ، لا والله حتى يكون أسمع من فرس ، وأبصر من عُقَاب ، وأهدى من قَطَاةٍ ، وأحذر من عقعق ، وأشد إقداماً من أسد ، وأوثب من فهد ، وأحقد من جمل ، وأروغ من ثعلب ، وأسخى من ديك وو أشح من ظبي ، وأحرس من كركي ، وأحفظ من كلب ، وأصبر من ضب ، وأجمع من النمل ، وإن النفس انما تسمح بالعناية على قدر الحاجة ، وتتحفظ على قدر الخوف ، وتطمع على قدر
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 237
مساهمون: المسعودي
ص٢٣٧
هامش
( 1 ) في نسخة : فبين .
( 2 ) في نسخة : خبراً ألفيته عن مسلم الباهلي .