كاليوم زوراً مثل حساب هؤلاء الحضريين ، فضحك الحجاج ومن معه ، وذهب بهم الضحك كل مذهب ، ثم قال الحجاج : إن أهل إصبهان كسروا خَرَاجهم ثلاث سنين ، كلما أتاهم والٍ أعجزوه ، فلأرمينهم ببدوية هذا وعنجهيته ، فأخلق به ان ينجب ، فكتب له عهده على إصبهان ، فلما خرج استقبله أهل إصبهان واستبشروا به ، وأقبلوا عليه يقبلون يده ورجله ، وقد استغمروه ، وقالوا : اعرابي بدوي ما ذا يكون منه ، فلما أكثروا عليه قال : أعينوا على أنفسكم وتقبيلكم اطرافي واخِّروا عني هذه الهيئات ، اما يشغلكم ما أخرجني له الأمير ؟ فلما استقر في داره بأصبهان جمع أهلها فقال لهم : ما لكم تعصون ربكم وتغضبون أميركم وتنقصون خراجكم ؟ فقال قائلهم :
جَوْر من كان قبلك ، وظلم من ظلم ، قال : فما الأمر الذي فيه صلاحكم ؟
فقالوا : تؤخرنا بالخراج ثمانية اشهر ونجمعه لك ، قال : لكم عشرة وتأتوني بعشرة ضمناء يضمنون ، فأتوه بهم ، فلما توثَّق منهم أمهلهم ، فلما قرب الوقت رآهم غير مكترثين لما يدنو من الأجل ، فقال لهم ، فلم ينتفع بقوله ، فلما طال به ذلك جمع الضمناء وقال لهم : المال ، فقالوا : أصابنا من الآفة ما نقض ذلك ، فلما رأى ذلك منهم آلى ان لا يفطر - وكان في شهر رمضان - حتى يجمع ماله أو يضرب أعناقهم ، ثم قدم أحدهم فضرب عنقه ، وكتب عليه فلان بن فلان ادَّى ما عليه ، وجعل رأسه في بدرة وختم عليها ، ثم قدم الثاني ففعل به مثل ذلك ، فلما رأى القوم الرؤوس تبذر وتجعل في الأكياس بدلًا من البِدَرِ قالوا : أيها الأمير ، توقَّف علينا حتى نحضر لك المال ، ففعل ، فأحضروه في أسرع وقت ، فبلغ ذلك الحجاج ، فقال : إنا معاشر آل محمد - يعني جدَّه - ولدُنا نجيب ، فكيف رأيتم فراستي في الأعرابي ؟
ولم يزل عليها والياً حتى مات الحجاج .
إبراهيم التميمي في سجن الحجاج :
وحبس الحجاج إبراهيم التميمي بواسط ، فلما دخل السجن وقف على مكان مشرف ونادى بأعلى صوته : يا أهل بلاء
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 171
مساهمون: المسعودي
ص١٧١