ووضعه في مكانه وقريش كلها حضور ، وكان ذلك أول ما ظهر من فعله وفضائله وأحكامه .
فقال قائل ممن حضر من قريش متعجباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سناً : وا عجباً لقوم أهل شرف ورياسة وشيوخ وكهول عمدوا إلى أصغرهم سناً ، وأقلهم مالًا ، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً ! أما واللات والعزى ليفوقنهم سَبْقاً ، وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً وليكونَنَّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم .
وقد تنوزع في هذا القائل : فمن الناس من رأى أنه إبليس ظهر في ذلك اليوم في جمعهم في صورة رجل من قريش كان قد مات ، وزعموا أن اللات والعزى أحيتاه لذلك المشهد ، ومنهم من رأى أنه بعض رجالهم وحكمائهم ومن كانت له فطنة .
كسوة الكعبة :
فلما استتمت قريش بناء الكعبة كستها أردية الزعماء ، وهي الوصائل ، وأعادوا الصور التي كانت مصورة في الكعبة ، وأتقنوا شكل ذلك وإحكامه .
وكان أبو طالب حاضراً ، فلما سمع هذا الكلام من هذا القائل في النبي صلى الله عليه وسلم ، وما يكون من أمره في المستقبل ، أنشأ يقول :
إن لنا أوله وآخره
في الحكم العدل الذي لا ننكره
وقد جهدنا جهدنا ليغمره
وقد عهدنا أوله وآخره
فإن يكن حقاً ففينا أكثره
وكان من بناء الكعبة إلى أن بعثه الله صلى الله عليه وسلم خمس سنين ، ومن مولده إلى يوم مبعثه أربعون سنة ويوم .