: وقد قدمنا فيما سلف في مواضع من هذا الكتاب ما قالت الأوائل في علة طول الأعمار وقصرها ، وعظم الأجسام في بَدء الأمر ( 3 ) ، وتناقصها على مرور الأعصار ومُضي الدهور ، وأن الله تبارك وتعالى لما بدأ الخلق كانت الطبيعة التي جعلها الله جبلَّة للأجسام ( 4 ) في تمام الكثرة ونهاية القوة والكمال ، والطبيعة إذا كانت تامة القوة كانت الأعمار أطول ، والأجسام أقوى ، لأن طرق الموت الطارئ يكون بانحلال قوى ( 5 ) الطبيعة ، فلما كانت القوة أتم ، كانت الاعتمار أزيد ، وكان العالم في أولية شأنه تام العمر ، ثم لم يزل ينقص أولا فأولا لنقصان المادة ، فتنقص الأجسام والأعمار مع نقصان المادة ، حتى يكون آخر مائية الطبيعة في تناهي النقص في الأجسام والأعمار . وقد أبى ( 6 ) ما ذكرنا من عظم أجسام الناطقين في صدور الزمان كثير من أهل النظر والبحث ممن تأخر ، وزعموا أن تأثيرهم في بنيانهم وما ظهر في الأرض من أعمالهم يدل على صغر أجسامهم ، وأنها كانت كأجسامنا ، لما شاهدوه من مساكنهم وأبوابهم وممراتهم فيما
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 166
مساهمون: المسعودي
ص١٦٦
انّ معاذ بن مسلم رجل
قد ضَجَّ من طول عمره الأبَد ( 1 ) [ قد شاب رأس الزمان واختضب
الدهر وأثواب عمره جُدُد ] ( 2 ) يا نسر لقمان كم تعيش ؟ وكم
تلبس ثوب الحياة يا لُبَدُ ؟
قد أصبحَتْ دار حمير خَربِت
وأنت فيها كأنك الوَتِدُ
تسأل غربانها إذا حجلت
كيف يكون الصُّدَاع والرمد
هامش
( 1 ) في الأصول « قد صح في طول عمره الأبد » .
( 2 ) سقط هذا البيت من إحدى النسخ .
( 3 ) في نسخة : بدء الدهر .
( 4 ) في نسخة : للإسلام .
( 5 ) في نسخة : باعلال قوى الطبيعة .
( 6 ) في نسخة : وقد أتى على ما ذكرنا .