إلى آخرها لا تواجهه الشمس ولا تعارضه ، لاستتار الأرض بالعمارة الشجرية ، واستيلائها عليها ، وإحاطتها بها ، وكان أهلها في أطيب عيش وأرفَهِه ، وأهنأ حال ، وأرغد قرى ، وفي نهاية الخصب ، وطيب الهواء ، وصفاء الفضاء ، وتدفق الماء ، وقوة الشوكة ، واجتماع الكلمة ، ونهاية المملكة ، وكانت بلادهم في الأرض مثلا ، وكانوا على طريقة حسنة من اتباع شريف الأخلاق ، وطلاب الإفضال على القاصد والسفر ( 1 ) بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال ، فمكثوا على ما شاء الله من الاعصار ، لا يعاندهم ملك الا قصَموه ، ولا يوافيهم جبَّار في جيش إلا كسروه ، فذلت لهم البلاد ، وأذعَنَ لطاعتهم العباد ، فصاروا تاج الأرض . وكانت المياه التي هي أكثر ما يرد إلى أرض سبأ تظهر من مخراق من الحجر الصَّلْد والحديد من ذلك السد والجبال ، طول المخراق فيما وصفنا فرسخ ، وكان وراء السد والجبال أنهار عظام ، وكان في هذا المخراق الآخذ من تلك الأنهار ثلاثون نَقْباً مستديرة في استدارة الذراع طولًا وعرضاً مدورة على أحسن هندسة وأكمل تقدير ، وكانت المياه تخرج من تلك الانقاب في مجاريها حتى تأتي الجنان فترويها سقياً ، وتعم شرب القوم ، وقد كانت أرض سبأ قبل ما وصفنا من العمارة والخصب يركبها السيل من تلك المياه ، وكان ملك القوم في ذلك الزمان يقرّب الحكماء ، ويدنيهم ، ويؤثرهم ، ويحسن إليهم ، فجمعهم من أقطار الأرض للالتجاء إلى رأيهم ، والأخذ من محض عقولهم ، فشاورهم في دفع ذلك السيل وحصره ، وذلك أنه كان ينحدر من أعالي الجبل هابطاً على رأسه حتى يهلك الزرع ويسوق من حملته البناء ( 2 ) ، فأجمع القوم رأيهم على عمل مصارف له إلى براري تقذف به إلى البحر ، وأخبروا الملك ان الماء إذا حفرت المصارف
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 162
مساهمون: المسعودي
ص١٦٢
هامش
( 1 ) في نسخة : على القاعد والسافر .
( 2 ) في نسخة : ويسوق في جفائه البناء .