هي تمام فعليّتها النوعيّة ، و أن تكون الذات التي ينعدم كمالُها بإصابة الشرّ قابلةً لفقد الكمال ، أيأن يكون العدم عدماً طارياً لها لالازماً لذاتها ، كالأعدام والنقائص اللازمة للماهيّات الإمكانيّة ، فإنّ هذا النوعَ من الأعدام منتزعٌ من مرتبة الوجود وحدِّه .
وبهذا تبيّن أنّ عالم التجرّد التّام لاشَرّ فيه ، إذ لاسبيل للعدم إلى ذواتها الثابتة بإثبات مبدئها ، ولا سبيل لعروض الأعدام المنافية لكمالاتها التي تقتضيها ، وهي موجودة لها في بدء وجودها .
فمجال الشرّ ومدارُه هو عالم المادّة التي تتنازع فيه الأضدادُ ، وتتمانع فيه مختلف الأسباب ، وتجري فيه الحركات الجوهريّة والعرضَيّة التي يلازمها التغيُّر من ذات إلى ذات ، و من كمال إلى كمال .
[ 8 ] والشرور من لوازم وجود المادّة القابلة للصور المختلفة ، والكمالات المتنوّعة المتخالفة ، غير أنّها كيفما كانت مغلوبةٌ للخيرات حقيرةٌ في جنبها ، إذا قيست إليها .
وذلك أنّ الأشياء - كما نُقل عن المعلّم الأوّل - من حيث الخيرات والشرور المنتسبة إليها على خمسة أقسام : إمّا خير محض ، وإمّا شرّ محض ، وإمّا خيرها غالب ، وإمّا شرّها غالب ، وإمّا متساوية الخير والشرّ . والموجود من الأقسام الخمسة قسمان ، هما الأوّل الذي هو خير محض ، وهو الواجب تعالى الذي يجب وحوده ، وله كلّ كمال وجوديّ ، وهو كلّ الكمال ، ويلحق به المجرّدات التامّة ، والثالث الذي خيرُه غالب ، فإنّ العناية الإلهيّة توجب وجودَه ، لأنّ في تركِ الخير الكثير شرّاً كثيراً .
[ 9 ] وأمّا الأقسام الثلاثة الباقية ، فالشرّ المحض هو العدم المحض الذي هو بطلانٌ صِرفٌ لاسبيل إلى وجوده ، و ما شرُّه غالب ، و ما خيره وشرُّه متساويان تأباهما العناية الإلهيّة التي نظمتْ نظام الوجود على أحسن ما يمكن وأتقِنه .
وأنت إذا تأمّلت أيَّ جزءٍ من أجزاء الكون وجدَته أنّه لو لم يقع على ما وقع عليه بطل بذلك النظام الكونيّ المرتبط بعض أطرافه ببعض من أصله ، وكفى بذلك شرّاً غالباً في تركه خير غالب .
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 381
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٨١