تعيين ما يلحقه من الصفات والآثار تعييناً علميّاً يتبعه العمل على حسب ما تسعه الأسباب والأدوات الموجودة . كما أنّ الخيّاط يقدّر ما يخيطه من اللباس على الثوب الذي بين يديه ثمّ يخيط على ما قدّر ، والبّناء يقدّر ما يريده من البناء على القاعة من الأرض على حسب ما تسعه وتُعين عليه الأسباب والأدوات الموجودة عنده ثمّ يبني البناء على طبق ما قدّر لأسباب متجدّدة توجب عليه ذلك . فالتقدير بالنسبة إلى الشيء المقدّر كالقالب الذي يُقلب به الشيء فيُحدّ به الشيء بحدّ او حدود لايتعدّاها .
وإذ اخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيّاً انطبق على الحدود التي تلحق الموجوداتِ المادّيّة من ناحية عللها الناقصة بما لها من الصور العلميّة في النشأة التي فوقها ، فانّ لكلّ واحدة من العلل الناقصة بما فيها من الحيثيّات المختلفة أثراً في المعلول يخصّص إطلاقه في صفته وأثره ، فإذا تمّ التخصيص به تمام العلّة التامّة حصل له التعيّن والتشخّص بالوجود الذي تقتضيه العلّة التامّة .
[ 8 ] فللإنسان مثلًا خاصّة الرؤية ، لكن لابكلّ وجوده ، بل من طريق بدنه ، ولا ببدنه كلّه ، بل بعضو منه مستقرٍّ في وجهه ، فلا يرى إلّاما يواجهه ، ولا كلّ ما يواجهه ، بل الجسم ، ولا كلّ جسم ، بل الكثيف من الأجسام ذا اللون ، ولا نفس الجسم ، بل سطحه ، ولا كلّ سطوحه ، بل السطح المحاذي ، ولا في كلّ وضع ولا في كلّ حال ولا في كلّ مكان ولا في كلّ زمان . فلئن أحصيت الشرائط الحافّة حولَ رؤيةٍ واحدة شخصيّة ألفيتَ جمّاً غفيراً لايحيط به الإحصاء ، و ما هي إلّاحدود ألحقها بها العلل الناقصة التي تحدّ الرؤية المذكورة بما تضع فيها من أثر ، ومنها ما يمنعه الموانع من التأثير .
وهذه الحدود جهات وجوديّة تُلازمها سلوب كما تبيّن آنفاً ، ولها صور علميّة في نشأة المثال التي فوق نشأة المادّة تتقدّر بها صفات الأشياء وآثارها ، فلا سبيل لشيء منها إلّاإلى صفة أو أثر ، هداه إليه التقدير .
[ 9 ] فإن قلت : لازم هذا البيان كون الانسان مُجبراً غير مختار في أفعاله .
قلت : كلّا ، فإنّ الاختيار أحد الشرائط التي يحدّبها فعل الإنسان . وقد فصّلنا القول في
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 309
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٠٩