[ 3 ] و من الضروريّ أيضاً أنّ علّةَ علّةِ الشيء علّةٌ لذلك الشيء ، وأنّ معلولَ معلولِ الشيء معلولٌ لذلك الشيء ، وإذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب تعالى ، فكلّ موجود كيفما فُرض فهو أثره ، وليس في العين إلّاوجود جواهرَ وآثارِها والنِسب والروابط التي بينها ، ولا مستقلَّ في وجوده إلّاالواجب بالذات ، ولا مفيض للوجود إلأهو .
فقد تبيّن بما تقدّم أنّ الواجب تعالى هو المُجري لهذا النظام الجاري في نشأتنا المشهودة ، والمدبّر بهذا التدبير العامّ المظلّ على أجزاء العالم ، و كذا النظامات العقليّة النوريّة التي فوق هذا النظام وبحذائه ، على ما يليق به حال كلّ منها حسبَ ماله من مرتبة الوجود . فالواجب لذاته ربٌّ للعالم مدبّر لأمره بالإيجاد بعد الإيجاد ، وليس للعلل المتوسّطة إلّاأنّها مسخَّرة للتوسّط من غير استقلال ، وهو المطلوب . فمن المحال أن يكون في العالم ربُّ غيره ، لاواحد ولا كثير .
[ 4 ] على أنّه لو فُرض كثرة الأرباب المدبّرين لأمر العالم - كما يقول به الوثنيّة ، أدّى ذلك إلى المحال من جهة أخرى ، وهي فساد النظام . بيان ذلك أنّ الكثرة لاتتحقّق إلّا بالآحاد ، ولا آحاد إلّامع تميّز البعض من البعض ، ولا يتمّ تميّز إلّاباشتمال كلّ واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتيّة يفقدها الواحد الآخر ، فيغاير بذلك الاخَر ويتمايزان ، كلّ ذلك بالضرورة . والسنخيّةُ بين الفاعل وفعله تقضي بظهور المغايَرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين ، فلو كان هناك أرباب متفرّقون ، سواء اجتمعوا على فعل واحد ، أو كان لكلّ جهة من جهات النظام العالميّ العامّ ربٌّ مستقلّ في ربوبيّته ، كربّ السماء والأرض وربّ الإنسان و غير ذلك ، أدّى ذلك إلى فساد النظام ، والتدافع بين أجزائه . ووحدةُ النظام والتلازمُ المستمرُّ بين أجزائه تدفعه .
[ 5 ] فإن قيل : إحكام النظام وإتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أنّ التدبير الجاري تدبيرٌ عن علم ، والأصول الحكميّة القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجرّدة عالمة يؤيّد ذلك . فهب أنّ الأرباب المفروضين متكثّرة الذوات ومتغايرتُها ويؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها ، لكن من الجائز أن يتواطئوا على
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 256
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٥٦